فهرس الكتاب

الصفحة 7525 من 9994

الوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ، فَقَالَ عز وجل: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم [التوبة:59] إِلَى قَوْلِهِ-: فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين [التوبة:69] قَالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ: وعلى الثلاثة الذين خلفوا وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَن الغَزْوِ، إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ مِنْهُ. أ. هـ

وفي هذا الحديث من الفوائد الكثيرة؛ نذكر منها:

الأولى: جواز إخبار الرجل عن تفريطه وتقصيره في طاعة الله ورسوله، وما ترتب على هذا التقصير من هجر ولوم وتأنيب وانعكاس ذلك على نفسه حتى ضاقت عليه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وفي ذكر هذا التفريط والتقصير نصيحة للمسلمين حتى يقبح لهم المعصية والمخالفة، ليتأسوا بذلك فيهجروا المعاصي ويتركوا الذنوب لما يترتب عليها من آثار سيئة وعاقبة وخيمة، فالعاقل من اعتبر بغيره، ثم إن كعبًا رضي الله عنه حين يعطي خلاصة هذه التجربة إنما يريد أن ينصح بها، ليتجنب من يبلغه الحديث أسباب ما وقع فيه، وفيه الحض على الإسراع بفعل الخير وعدم التكاسل عنه.

الثانية: جواز إخبار الرجل عن جوانب الخير في نفسه إن لم يكن فخرًا أو كبرًا والتحدث بنعمة الله تعالى التي مَنَّ بها على العبد، فلقد أكرم الله تعالى هؤلاء الثلاثة ودعا المؤمنين إلى أن يكونوا معهم، فإخبار كعب عن هذه التوبة وإتمام نعمة الله عليهم فرحةً وتحدثًا بنعمة الله، كل هذا جائز، فالله تعالى يقول: وأما بنعمة ربك فحدث [الضحى: 11] ، وإن كانت تزكية النفس منهيًا عنها فإنها في هذا الموطن جائزة كما تجوز حين يريد الرجل أن يلفت النظر إلى نعم الله التي أنعم بها عليه، فلقد قال الله تعالى عن يوسف: قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم [يوسف: 55] .

الثالثة: جواز تعزير المتخلف عن الجهاد مع ولي أمر المسلمين حتى يشعر بألم المخالفة وينبغي لولي الأمر أن يذكره ويعنفه ويوبخه.. إلى غير ذلك من أنواع التعزير، حتى يأخذ بيده إلى الله تعالى، لأن إهمال المسلمين المقصرين وعدم السؤال عنهم يفسدهم ويعرضهم للزلل والزيغ، ولذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كعبًا وقال: «ما فعل كعب؟» وأهمل المنافقين ولم يسأل عنهم لأنهم رجس، نعوذ بالله من الخذلان.

الرابعة: فضل بيعة العقبة والتواثق على الإسلام حتى إن كعبًا كان لا يراها دون مشهد بدر، وذلك لأن المسلمين في بادئ الأمر لاقوا من الاضطهاد والتعذيب ما جعلهم يخفون إسلامهم، ثم في ليلة العقبة يذهب المسلمون الجدد ليبايعوا ويعاهدوا الله ورسوله على الإسلام وهم يخافون أن يطلع عليهم أهل الكفر، فهذا يبين فضل ليلة العقبة وإن كانت بدر هي أشرف مشاهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولقد سمى الله يوم بدر يوم الفرقان.

الخامسة: عدم الاكتفاء بسرد ما حدث، بل التحدث بسنة النبي صلى الله عليه وسلم والإخبار عنها قدر المستطاع، ففي أثناء حديث كعب يقول: «ولم يكن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها» . ثم يذكر أيضًا في حديثه: «وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس» . ثم يذكر أيضًا: «وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا سُرَّ استنار وجهه كأن وجهه قطعة قمر» . وكذلك جاء في بعض الروايات: «وكان لا يقدم من سفر إلا نهارًا في الضحى» . وهذا يدل على أن المسلم حتى وهو يسرد واقعة حديث له لابد ألا ينسى هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا يغيب عنه هذا الهدي الكريم، ثم الحرص على الفائدة، وبذل النصيحة والمعروف ولو لم يطلب منه ذلك، وهذه صفة في النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سئل في مسألة أجاب وربما يزيد لحاجة السائل كالذي سأله عن الوضوء بماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» . [رواه أحمد 1/201، 202]

السادسة: الحذر من الجواسيس، وستر بعض الأمور عن الرعية للمصلحة، ولذلك كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها، وهذه حكمة عالية فالحذر شيء مطلوب، وكانت هذه عادته صلى الله عليه وسلم أن يعمي على الأعداء ليفوت عليهم فرصة الانقضاض على الإسلام والمسلمين، كما حدث ذلك في هجرته صلى الله عليه وسلم .

السابعة: لم يكن للجيش ديوان يجمعهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من دون الديوان ولذلك كان الرجل إذا تخلف ظن أن ذلك سيخفى على المسلمين، ما لم ينزل بذلك وحي من الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت