فهرس الكتاب

الصفحة 7529 من 9994

فاستأجر رسول الله وأبي بكر الصديق رجلاً من بني الديل هاديًا خريتًا ـ والخريّت الماهر بالهداية ـ وهو على دين الكفار فأمناه فدفعا إليه راحلتهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال (صبح ثلاث) وانطلق معهما عامر بن فهيرة فأخذ معهم طريق الساحل ـ أي الطريق الذي لا تفطن إليه قريش ـ ولمّا غدا رسول الله في ذلك الطريق مَرّ على بني مدلج وفيهم سراقة بن مالك بن جعشم فجاء إليه رجل فقال: فكأني بمحمد وأصحابه قد مَرّوا بكم قال سراقة بن مالك بن جعشم وكلامه في صحيح البخاري قال: إنما هما فلان وفلان رأيناهما بأعيينا فذهب فلبث هنيهةً ثم أمر جاريته بأن تُعد له فرسه فركب فرسه وانطلق في أثارهما فرأى النبي وصاحبه على مد البصر, فإذا فرسه تخر في الأرض قال: فاستخرجت الأزلام فاستقسمت بها ـ أخرج أزلامه كما كانت تفعل قريش ـ فأقسم بها فخرج الذي أكره فخالفتها ـ أي خالف الأزلام التي خرجت بما يكره, فذهبتُ في إثرهما فخارت فرسي في الأرض أكثر من الأول فعلمت أنه سيظهر أمره ـ أي علمت بأن الرسول عليه الصلاة والسلام سيظهر أمره, وفي الرواية التي في البخاري أنه لما قرب منهما في الثانية كان رسول الله يقرأ وكان أبو بكر الصديق يلتفت لماذا؟ خوفًا على نفسه؟ لا والله, خوفًا على الرسول عليه الصلاة والسلام, إنما هو رجل إذا هلك لم يهلك الدين, أما الرسول إذا مات خسرت البشرية كثيرًا فكان يلتفت رضي الله عنه يمنة ويسرة خوفًا على الرسول عليه الصلاة والسلام.

قال سراقة بن مالك: فناديت فيهما بالأمان, فقربت منهما وقلت لهما: إن قريشًا قد أعدت مائة من الإبل في إثركما, وأعطيتهما الزاد فلم يسألاني وقالا: غَمِّم علينا ـ أي أخف عنا ـ أي إذا ذهبت إلى قومك فلا تخبر بآثارنا, وإنما عليك أن تصرف آثارهم عَنّا, قال أهل السير: فكان سراقة بن مالك يدل الناس على غير طريقه عليه الصلاة والسلام, فكان في أول النهار طالبًا لهما وفي آخر النهار حارسًا عليهما, وهكذا الله سبحانه وتعالى يحمي عباده تعالى إنه على كل شيء قدير.

نسأل الله تعالى أن ينفعنا بهديه عليه الصلاة والسلام في أمره كله إنه هو القادر على ذلك وهو العليم الخبير. ...

الخطبة الثانية ...

الحمد لله الذي رزقنا وكفانا وآوانا, الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام, نعمًا ظاهرة وباطنة فله الشكر وله الحمد ليل نهار, والصلاة والسلام على من أرسله تعالى رحمة للعالمين فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وتركنا على المحجة البيضاء فصلى الله عليه كما عرفنا به ودعا إليه. أما بعد:

قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ـ وذلك في حديث أنس بن مالك في صحيح البخاري ـ فنزلنا عند شجرة لها ظل, أي في طريق هجرته عليه الصلاة والسلام فقال للنبي امكث حتى آتيك وكان يحرسه فذهب إلى راعي غنم يرعى غنمات له فقال: لمن هي؟ فقال لرجل من أهل مكة أو المدينة, فطلب منه اللبن, فحلب له فوضعه في إداوة وأتى به النبي فوجده نائمًا فكره أن يوقظه, فلما استيقظ قال أبو بكر: فصببت عليه الماء حتى برد من أسفله فأعطيته النبي حتى رأيت أنه قد شرب من اللبن, فقال الرسول: متى الرحيل؟ فقلت: الآن يا رسول الله, وكان أبو بكر الصديق ـ كما هو في صحيح البخاري ـ كان الصديق أكبر من النبي سنًا فكان إذا رآهما الرائي أقبل على أبي بكر فقال: من هذا الذي بين يديك فكان الصديق رضي الله عنه يقول: هادٍ يهديني الطريق فيظن أنه الطريق وإنما هو بسبيل الخير أي يوري على الناس فيقول هذا هادٍ يهديني الطريق, وهو الطريق لكنه طريق الجنة, أي هو سبيل الخير كان على ذلك رضي الله تعالى عنه حتى قدم النبي المدينة المنورة وكانت الأنصار من الأوس والخزرج من بني عمرو بن عوف يخرجون إلى النبي في كل يوم حتى وقت الظهيرة فإذا اشتد الحر عادوا, حتى كان يوم هجرته فرآهما رجل من اليهود فلم يتمالك نفسه أن صرخ في بني عمرو بن عوف: أيها العرب هذا جدكم, فأقبلوا على النبي وكانوا لا يعرفونه فظنوا أنه أبو بكر الصديق فكانوا يقبلون على أبي بكر يصافحونه ظنًا منهم أنه الرسول عليه الصلاة والسلام حتى أتت الشمس على النبي فوضع الصديق رداءه عليه فعرفوا بأنه عليه الصلاة والسلام فأقبلوا عليه يسلمون عليه ويقبلونه .

هذا هو طريق النصر الذي سلكه الرسول عليه الصلاة والسلام, وينبغي ونحن نستقبل مثل هذا العام أن نذكر هذا الكفاح الذي كافحه وأن ننصر دينه وإلا كما قال تعالى: إلا تنصروه فقد نصره الله , يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت