فهرس الكتاب

الصفحة 7584 من 9994

فقد يخبر الإنسان بالحق اتفاقًا من غير علمه به، وقد يعلمه ولا يخبر به، فالشاهد المقبول عند الله هو الذي يخبر به عن علم ...» (11) .

وبعد استعراض ما سبق من أقوال المفسرين يتبين لنا فهمٌ واضحٌ محددٌ لمعنى الوسطية المذكورة في صفة هذه الأمة وكونها أمة وسطًا.

وهذا الفهم يتحدد في معنيين هما:

الأول: الخيرية والأفضلية.

الثاني: التوازن والعدل والقيام بالحق، والبينية بين الإفراط والتفريط.

وكلا المعنيين داخل في الآخر؛ فإن الخيرية والأفضلية لم تتصف بها هذه الأمة إلا لكونها قائمة بالعدل والقسط والحق، ولكونها وسطًا بين الغالي والجافي. وكل من قام بالعدل والحق فهو الأولى بصفة الخيرية والفضل.

والوسطية والعدل والبينية تقتضي أن يكون هناك طرفان مذمومان يكتنفان الوسط والعدل.

أحدهما: ينزع إلى الغلو والإفراط.

والآخر: ينزع إلى التفريط والإضاعة والجفاء.

وفي هذا المعني يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى: «... وقال بعض السلف: ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط، وإما إلى مجاوزة، وهي الإفراط، ولا يبالي بأيهما ظفر: زيادة أو نقصان» (12) .

ويحسن بنا في هذا المقام أن نتعرض لمفهوم الغلو والإفراط، ومفهوم الجفاء والتفريط بعد أن اتضح لنا معنى الوسط والعدل والتوازن.

أولاً: الغلو والإفراط:

قال الجوهري: «وغلا في الأمر يغلو غلوًّا أي: جاوز فيه الحد» (13) .

وقال في اللسان: «وغلا في الدين والأمر يغلو غلوًّا: جاوز حده، وقال في التنزيل (لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) (النساء: من الآية171) .... وقال بعضهم: غلوت في الأمر غلوًّا وغلانية وغلانيًا إذا جاوزت فيه الحد وأفرطت فيه ... ويقال للشيء إذا ارتفع: قد غلا، وغلا النبت: ارتفع وعظم» (14) .

وقد جاء في القرآن الكريم النهي عن الغلو في الدين في أكثر من موضع؛ ومن ذلك:

قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) (النساء: من الآية171) .

قال ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - في تفسير هذه الآية: «... والغلو: الإفراط ومجاوزة الحد، ومنه: غلا السعر. وقال الزجاج: الغلو: مجاوزة القدر في الظلم ... وغلو النصارى في عيسى قول بعضهم: هو الله، وقول بعضهم: هو ابن الله، وقول بعضهم: هو ثالث ثلاثة» (15) .

وقوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (المائدة:77) .

قال الإمام الطبري - رحمه الله تعالى: «لا تُفرِطوا في القول فيما تدينون به من أمر المسيح فتجاوزوا فيه الحق إلى الباطل. فتقولوا فيه: هو الله أو هو ابنه، ولكن قولوا: هو عبدالله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه» (16) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى: «والنصارى أكثر غلوًا في الاعتقادات والأعمال من سائر الطوائف، وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن» (17) .

وقال الإمام ابن كثير - رحمه الله تعالى - في آية المائدة: «أي: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق ولا تُطْروا من أُمِرْتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه من حيز النبوة إلى مقام الإلهية كما صنعتم في المسيح، وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهًا من دون الله» (18) .

كما جاء النهي عن الزيادة والتكلف في قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) (صّ:86) .

قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: «أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ما أسألكم على هذا البلاغ وهذا النصح أجرًا تعطونيه من عَرَض الحياة الدنيا (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) أي: وما أزيد على ما أرسلني الله به ولا أبتغي زيادة عليه، بل ما أُمِرْتُ به أديته لا أزيد عليه ولا أنقص منه، وإنما أبتغي بذلك وجه الله عز وجل والدار الآخرة» (19) .

وأما في السنة فقد وردت أحاديث كثيرة تنهى عن الغلو والتشديد في الدين، وذكر بعضها هنا يساعد في فهم معنى الغلو وحدوده.

الحديث الأول: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، غداة جمع: (هلمّ القط لي الحصى) ، فلقطت له حصيات من حصى الخذف، فلمَّا وضعهنَّ في يده قال: (نعم بأمثال هؤلاء وإيّاكم والغلوّ في الديّن فإنَّما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدّين) (20) .

الحديث الثاني: عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطّعون) . قالها ثلاثًا (21) .

قال النَّوويُ: «هلك المتنطّعون: أي المتعمِّقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم» (22) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت