الحديث الثالث: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقول:"لا تشدِّدوا على أنفسكم فيُشدِّد الله عليكم؛ فإنَّ قومًا شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصَّوامع والدّيار (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) (الحديد: من الآية27) " (23) .
قال الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - في تعليقه على هذا الحديث: «فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التشديد في الدين؛ وذلك بالزيادة على المشروع، وأخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه؛ إما بالقَدَر وإما بالشرع؛ فالتشديد بالشرع: كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل فيلزمه الوفاء به.
وبالقدر: كفعل أهل الوسواس؛ فإنهم شددوا على أنفسهم فشدد عليهم القدر حتى استحكم ذلك وصار صفة لازمة لهم» (24) .
الحديث الرابع: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) (25) .
قال ابن رجب - رحمه الله تعالى: «والتسديد: العمل بالسداد؛ وهو القصد والتوسط في العبادة؛ فلا يقصر فيما أمر به ولا يتحمل ما لا يطيقه» (26) .
الحديث الخامس: عن عبدالرحمن بن شبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اقرؤا القرآن ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به، ولا تجفوا عنه ولا تغلوا فيه) (27) .
الحديث السادس: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن نفرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه وقال: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؛ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني) (28) .
وعند البخاري: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني) (29) .
ومن خلال الأحاديث السابقة يتبين لنا معنى الغلو وحده وأنه مجاوزة الحد وتعدي ما أمر الله به، أو فعل ما لم يشرعه الله عز وجل ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.
«ومن الألفاظ المرادفة لمعنى الغلو: الإفراط. وهو يشترك مع الغلو في كونه مجاوزة للحد، وان كان كل واحد منهما يحمل معنى أبلغ من الثاني في بعض ما يستعمل فيه؛ فالذي يشدد على نفسه بتحريم بعض الطيبات أو بحرمان نفسه منها يكون وصف الغلو ألصق به، والذي يعاقب من اعتدى عليه عقوبة يتعدى بها حدود مثل تلك العقوبة يكون وصف الإفراط ألصق به من الغلو» (30) .
والمقصود أن كلاًّ من الغلو والإفراط خروج عن الوسطية.
ثانيًا: التفريط والجفاء:
بعد ما تعرفنا على معنى الغلو والإفراط، وأنه مجانب للوسطية، نقف في هذه الفقرة لنتعرف على الطرف الآخر المقابل له، ألا وهو التفريط والإضاعة والذي هو الآخر مجانب للوسطية والعدل والميزان المستقيم. فما معنى التفريط؟
قال في اللسان: «التفريط: هو التضييع. وقال الزجاج: (وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) (الكهف: من الآية28) أي: كان أمره التفريط وهو تقديم العجز، وفرط في الأمر يفرط فرطًا. أي: قصَّر فيه وضيعه حتى فات، وكذلك التفريط» (31) . ا.هـ.
وقال الجوهري: «فرَّط في الأمر فرطًا: أي قصر فيه وضيعه حتى فات، وكذلك التفريط» (32) .
وقد وردت مادة (فرط) في القرآن في عدَّة مواضع:
قال تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) (الأنعام: من الآية31) .
قال الطبري: يقول: يا ندامتنا على ما ضيَّعنا فيها.
قال السّديّ: أما (يَا حَسْرَتَنَا) . فندامتنا على ما فرَّطنا فيها، فضيَّعنا من عمل الجنة (33) .
وقال القرطبي: وفرَّطنا معناه ضيَّعنا، وأصله التقدّم؛ يقال: فرط فلان أي تقدم وسبق إلى الماء، ومنه: (أنا فرطكم على الحوض) (34) ... ومنه في الدعاء للصبي: اللهم اجعله فَرَطًا لأبويه؛ فقولهم: (فَرَّطْنَا) . أي: قدَّمنا العجز. وقيل: «فرّطنا» أي: جعلنا غيرنا الفارط السَّابق لنا إلى طاعة الله وتخلّفنا (35) .
وقال تعالى في سورة الأنعام - أيضًا: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (الأنعام: من الآية38) .
قال الطبريّ: معناه: ما ضيَّعنا إثبات شيء منه.