وقال ابن عبَّاس: ما تركنا شيئًا إلاّ قد كتبناه في أمّ الكتاب.
وقال ابن زيد: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) . قال: لم نغفل، ما من شيء إلاّ وهو في الكتاب (36) .
وقال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ) (الأنعام: من الآية61) .
قال الطبريّ: قد بيَّنَّا أنَّ معنى التَّفريط: التَّضييع فيما مضى قبل، وكذلك تأوّله المتأوِّلون في هذا الموضع.
قال ابن عبَّاس: «لا يُفرّطون» . لا يضيِّعون.
وكذلك قال السّديّ: «لا يفرّطون» . لا يضيِّعون (37) .
وفي سورة يوسف: (وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ) (يوسف: من الآية80) .
قال الطبريّ: ومن قبل فعلتكم هذه تفريطكم في يوسف، يقول: أولم تعلموا من قبل هذا تفريطكم في يوسف (38) .
قال القاسميّ: (فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ) . قصَّرتم في شأنه (39) .
وبالتعرف على معنى التفريط نكون قد أحطنا علمًا بالطرفين المذمومين المخالفين للوسطية والعدل، وهما: طرف الغلو والإفراط، وطرف التفريط والتقصير، وأن الميزان العدل وسط بينهما في كل الأمور.
وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - مبينًا منهج السلف القائم على العدل والوسط: «والسلف يذكرون هذين الأصلين كثيرًا - وهما الاقتصاد في الأعمال والاعتصام بالسُّنة - فإن الشيطان يَشُمُّ قلب العبد ويختبره، فإن رأى فيه داعية للبدعة، وإعراضًا عن كمال الانقياد للسُّنة أخرجه عن الاعتصام به؛ وإن رأى فيه حرصًا على السُّنة، وشدة طلب لها لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها؛ فأمره بالاجتهاد والجور على النفس، ومجاوزة حد الاقتصاد فيها، قائلاً له: إن هذا خير وطاعة، والزيادة والاجتهاد فيها أكمل؛ فلا تفتر مع أهل الفتور، ولا تنم مع أهل النوم، فلا يزال يحثه ويحرضه حتى يخرجه عن الاقتصاد فيها؛ فيخرج عن حدها، كما أن الأول خارج عن هذا الحد، فكذا هذا الآخر خارج عن الحد الآخر.
وهذا حال الخوارج الذين يَحْقِر أهل الاستقامة صلاتهم مع صلاتهم، وصيامهم مع صيامهم، وقراءتهم مع قراءتهم، وكلا الأمرين خروج عن السُّنة إلى البدعة؛ لكن هذا إلى بدعة التفريط، والإضاعة، والآخر إلى بدعة المجاوزة والإسراف.
وقال بعض السلف: ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان. إما إلى تفريط، وإما إلى مجاوزة، وهي الإفراط. ولا يبالي بأيهما ظفر زيادة أو نقصان» (40) .
ويقول - رحمه الله تعالى - في موطن آخر: «وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان فإما إلى غلو ومجاوزة وإما إلى تفريط وتقصير، وهما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك أقوال الناس وآراءهم لما جاء به، لا من ترك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم، وهذان المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم، ولهذا حذَّر السلف منهما أشد التحذير وخوَّفوا من ابتلي بأحدهما بالهلاك. وقد يجتمعان في الشخص الواحد كما هو حال أكثر الخلق؛ يكون مقصرًا مفرطًا في بعض دينه، غاليًا متجاوزًا في بعضه، والمهدي من هداه الله» (41) ا.هـ.
تنبيه:
ما دام أن الوسطية سمة بارزة في هذا الدين، وأنه قائم على العدل والوسط والتوزان بين طرفي الغلو والتقصير، فإنه ينبغي الحذر ونحن في صدد الحديث عن الغلو والجفاء من أن نقع في الغلو في فهمنا للغلو والإفراط، أو في فهمنا للتفريط والتقصير. ذلك أن بعض الناس قد يفسر التمسك بالدين عقيدة وعبادة وشريعة وأخذ ذلك كله بقوة والالتزام بالسنة، قد يفسر ذلك بالغلو والتشديد وهذا غلط وغلو في الغلو؛ ففرق بين الملتزم بدينه المتمسك بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الثابت على عقيدته في ضوء الكتاب والسنة وبين من يشدد على نفسه بأمور لم تشرع في هذا الدين، أو يتجاوز حدود الله عز وجل في الآخرين قاصدًا بذلك التدين والتعبد لله تعالى.
فالأول ممدوح ومحبوب لله عز وجل، وأهله هم المتقون القابضون على دينهم قبض الجمر أيام الصبر والفتن، وهم أهل الله عز وجل وخاصته، وهم الطائفة المنصورة مهما قال عنهم المخالفون أو المخذلون ورموهم به من صفات الغلو والتنطع والتطرف؛ فإنهم كما جاء وصفهم في حديث الطائفة المنصورة: «لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله» (42) .
أما الفئة التي غلت في دين الله تعالى وتعبدت لله تعالى بما لم يأذن به سبحانه أو بما يسخط الله تعالى فهي الفئة التي يصدق عليها وصف الغلو والتطرف والتنطع.