قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - عند قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ) : «وهو النقل الصدق، (وَالْمِيزَانَ) وهوالعدل؛ قاله مجاهد وقتادة وغيرهما، وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة، كما قال تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ) (هود: من الآية17) ، وقال تعالى: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (الروم: من الآية30) ، وقال تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) (الرحمن:7) . ولهذا قال في هذه الآية (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد: من الآية25) أي بالحق والعدل وهو: اتباع الرسل فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا به؛ فإن الذي جاءوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق، كما قال تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً) (الأنعام: من الآية115) أي صدقًا في الأخبار وعدلاً في الأوامر والنواهي؛ ولهذا يقول المؤمنون إذا تبوؤوا غرف الجنات والمنازل العاليات والسرر المصفوفات: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) (الأعراف: من الآية43) » (45) .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى: «والله تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب ليقوم الناس بالقسط، وأعظم القسط عبادة الله وحده لا شريك له، ثم العدل على الناس في حقوقهم، ثم العدل على النفس» (46) .
والآيات في ذكر العدل والقسط والأمر به ومدح أهله وذم أهل الجور والعدوان وأهل الإضاعة والتفريط كثيرةٌ جدًا، وليس المقصود استقصاؤها في هذا المقام، وإنما المراد الإشارة إلى أن العدل والحق هو أصل هذا الدين وسمته الرئيسة، وهو الذي من أجله أنزلت الكتب وأرسلت الرسل حتى يقوم أعظم العدل وهو عبادة الله عز وجل وتوحيده بلا ند ولا شريك، ثم العدل مع الخلق وإعطاؤهم حقوقهم وعدم بخسهم أشياءهم، ثم العدل مع النفس دون غلو ولا إفراط، ودون تقصير ولا تفريط. فما أعظمه من دين، وما أجله من تشريع جاء لإسعاد الناس وإخراجهم من ظلمات الشرك والبغي والعدوان إلى نور التوحيد والعدل والقسطاس المستقيم؛ فنحمده سبحانه على الهداية لهذا الدين القويم العظيم ونسأله عز وجل أن يثبتنا عليه وأن يميتنا عليه، وأن يجعلنا من الداعين إلى سبيله المستقيم، وأن يكتب على أيدينا إخراج من يشاء من عباده من عبادة العباد إلى عبادته وحده سبحانه، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
(1) البخاري (4487) ، وقال الحافظ في الفتح: (8/22) قوله: (الوسط: العدل) هو مرفوع من نفس الخبر وليس بمدرج من قول بعض الرواة كما وهم فيه بعضهم.
(2) تفسير الطبري: (2/7) ، والحديث رواه الترمذي: (5/190) ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي: (2361) .
(3) تفسير الطبري: (2/7) .
(4) تفسير الطبري: (2/6) .
(5) عمدة التفسير عن ابن كثير: (1/263) تحقيق: أحمد شاكر.
(6) المسند: (3/32) .
(7) سبق تخريجه عند البخاري، والترمذي (ص 17) من هذا الكتاب، وهو عند ابن ماجة برقم (4284) .
(8) تفسير المنار: (2/4) .
(9) تفسير السعدي: (1/157) .
(10) في ظلال القرآن: (1/131) .
(11) بدائع التفسير: (1/369) .
(12) مدارج السالكين: (2/342) ، ط. دار طيبة.
(13) مختار الصحاح: (6/2448) .
(14) لسان العرب: مادة (غلا) .
(15) انظر زاد المسير: (2/260) .
(16) تفسير الطبري: (6/316) .
(17) اقتضاء الصراط المستقيم: (1/289) .
(18) تفسير ابن كثير: (2/82) .
(19) تفسير ابن كثير عند الآية (86) من سورة: ص.
(20) النسائي: (5/268) برقم (3057) ، وابن ماجة: (3029) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: (1283) .
(21) مسلم: (2670) .
(22) شرح مسلم للنووي: (16/220) .
(23) أبو داود: (4904) ، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود: (1049) .
(24) عن كتاب إغاثة اللهفان: (1/132) .
(25) البخاري: (39) .
(26) المحجة في سير الدلجة: (ص 51) .
(27) أحمد: (3/428) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع: (1168) .
(28) مسلم: (1401) .
(29) البخاري: (5063) .
(30) انظر الوسطية في ضوء الكتاب والسنة، للدكتور ناصر العمر.
(31) لسان العرب: مادة (فرط) .
(32) مختار الصحاح: (3/1148) .
(33) انظر تفسيرالطبري: (7/178) .
(34) أخرجه البخاري في الرقاق: (6575) ، ومسلم في الفضائل: (2297) .
(35) انظر تفسير القرطبي: (6/413) .
(36) انظر تفسير الطبري: (7/188) .
(37) انظر تفسير الطبري: (7/218) .
(38) المصدر نفسه: (13/35) .
(39) انظر تفسير القاسمي: (9/3579) .
(40) مدارج السالكين: (2/342) ، ط. دار طيبة.
(41) الروح لابن القيم: (545) ، دار إحياء العلوم.
(42) أخرجه أبو داود في الفتن والملاحم (4252) ، وبنحوه عند مسلم في الإمارة (1924) ، وغيرهما.
(43) بدائع التفسير: (2/81، 82) .