فهرس الكتاب

الصفحة 7589 من 9994

(44) في ظلال القرآن: (4/1931) باختصار.

(45) تفسير ابن كثير: عند الآية (25) من سورة الحديد.

(46) مجموع الفتاوى: (10/99) .

الباب الثاني

من مظاهر العدل والتوزان في خلق الله تعالى وأمره

قال الله تعالى: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف: من الآية54) . فالخلق خلقه والأمر أمره، وهو الحكيم الخبير الذي أحسن كل شيء خلقه، والذي قام خلقه وأمره على الحق والعدل والميزان المستقيم.

قال تعالى: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) (الملك: من الآية3) ، وقال تعالى: (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ) (الأحقاف:3) ، وقال عن كتابه الكريم المتضمن لأمره وشرعه: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت:41،42) ، وقال أيضاً عن شمول كتابه الكريم: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل: من الآية89) ، وقال سبحانه عن إتقانه لمخلوقاته: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) (النمل: من الآية88) .

ومناسبة إيراد الآيات السابقة لموضوع البحث هو ما تضمنته هذه الآيات من ذكر شمول علم الله عز وجل وبديع صنعه وحكمته البالغة في خلقه وأمره وشرعه، وما فيها من الدقة والتناسق والتوازن والعدل وقيام ذلك كله بالحق وللحق.

يتحدث الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - عند قوله تعالى: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف: من الآية54) فيقول: «فخلقه وأمره صدرا عن حكمته وعلمه، وحكمته وعلمه اقتضيا ظهور خلقه وأمره، ... ولهذا يقرن سبحانه بينهما عند ذكر إنزال كتابه، وعند ذكر ملكه وربوبيته؛ إذ هما مصدر الخلق والأمر ...» (1) .

وقال في موطن آخر: «فانظر حكمة الله عزّ وجلّ في خلقه وأمره فيما خلقه وفيما شرّعه تجد مصدر ذلك كله الحكمة البالغة التي لا يختلّ نظامها ولا ينخرم أبدًا ولا يختلّ أصلاً، ومن الناس مَن يكون حظّه من مشاهدة حكمة الأمر أعظم من مشاهدة حكمة الخلق، وهؤلاء خواصّ العباد الذين عقلوا عن الله أمره ودينه، وعرفوا حكمته فيما أحكمه، وشهدت فطنهم وعقولهم أن مصدر ذلك حكمة بالغة وإحسان ومصلحة أريدت بالعباد في معاشهم ومعادهم، وهم في ذلك درجات لا يحصيها إلاّ الله.

ومنهم من يكون حظّه من مشاهدة حكمة الخلق أوفر من حظّه من حكمة الأمر؛ وهم أكثر الأطباء الذين صرفوا أفكارهم إلى استخراج منافع النبات والحيوان وقِواها وما تصلح له مفردة ومركّبة؛ وليس لهم نصيب في حكمة الأمر إلاّ كما للفقهاء من حكمة الخلق بل أقلّ من ذلك.

ومنهم مَن فتح عليه بمشاهدة الخلق والأمر بحسب استعداده وقوّته فرأى الحكمة الباهرة التي بهرت العقول في هذا وهذا؛ فإذا نظر إلى خلقه وما فيه من الحكم ازداد إيمانًا ومعرفًة وتصديقًا بما جاءت به الرّسل، وإذا نظر إلى أمره وما تضمنه من الحكم الباهرة ازداد إيمانًا ويقينًا وتسليمًا، لا كمَن حجب بالصنعة عن الصانع، وبالكواكب عن مكوكبها، فعمي بصره وغلظ عن الله حجابه؛ ولو أعطى علمه حقه لكان من أقوى الناس إيمانًا لأنه اطّلع من حكمة الله وباهر آياته وعجائب صنعته الدالّة عليه وعلى علمه وقدرته وحكمته على ما خَفِيَ عن غيره. ولكن من حكمة الله أيضًا أن سلب كثيرًا من عقول هؤلاء خاصيّتها، وحجبها عن معرفته وأوقفها عند ظاهر من العلم بالحياة الدّنيا - وهم عن الآخرة هم غافلون - لدناءتها وخسّتها وحقارتها، وعدم أهليّتها لمعرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وأسرار دينه وشرعه والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وهذا باب لا يطّلع الخلق منه على ما له نسبة إلى الخافي عنهم منه أبدًا؛ بل علم الأوّلين والآخرين منه كنقرة العصفور من البحر، ومع هذا فليس ذلك بموجب للإعراض عنه واليأس منه بل يستدلّ العاقل بما ظهر له منه على ما وراءه» (2) .

ويتحدث سيد قطب - رحمه الله - عن منهج الله القائم على العلم المطلق والحكمة البالغة في الخلق والشرع فيقول: «إن شريعة الله تمثل منهجًا شاملاً متكاملاً للحياة البشرية؛ يتناول بالتنظيم والتوجيه والتطوير كل جوانب الحياة الإنسانية؛ في جميع حالاتها، وفي كل صورها وأشكالها ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت