فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
(8) حياة شيخ الإسلام، للشيخ محمد بهجت البيطار: (ص 15) .
سابع عشر: التوازن والعدل والوسطية في التخطيط والتنظيم:
إن كل مشروع من مشاريع الدنيا والدين يحتاج ليتم تنفيذه إلى دراسة وتخطيط وتحديد للأهداف والوسائل، ثم يتبع ذلك توزيع للمهمات والأولويات والأدوار، وتنظيم الأعمال التي من شأنها تحويل الخطط والدراسات النظرية إلى واقع وعمل. وهذا كله يدخل في الأخذ بالأسباب وبذل الوسع في ذلك؛ لأن من سنة الله سبحانه أن رتب المسببات على أسبابها، والنتائج على مقدماتها، والأهداف على وسائلها؛ وكل ذلك خاضع لمسبب الأسباب سبحانه ومشيئته النافذة، ومع أهمية التخطيط والتنظيم لأي فكرة أو مشروع إسلامي دعوي فإن الناس منقسمون فيها إلى طرفين ووسط.
الطرف الأول: أهل الغلو والإفراط: وهم الذين غلوا، وأغرقوا في التنظير والتخطيط حتى تمر الأيام والشهور بل والسنوات وهم ما زالوا في تخطيطهم ودراساتهم يقدمون رِجْلاً ويؤخرون أخرى؛ لا تراهم إلا مترددين خائفين من الإقدام على العمل مفْرِطين في أخذ الحيطة والحذر، مفوتين عليهم الفرص الكثيرة تمر عليهم دون أن يستثمروها، مبررين عملهم هذا بالتثبت والتأني والحكمة. (ارجع إلى مبحث التوازن والعدل في الحلم والأناة) (1) .
ثم إذا قدر لهؤلاء أن ينتقلوا من التخطيط إلى التنفيذ والعمل فإنهم يغلون في تنظيم هذا العمل ويفرطون في وضع الترتيبات الإدارية والتنظيمية الدقيقة التي تعرقل العمل، ولا تمنح للفرد أن يستخدم عقله وطاقته، وإنما يبقى رهين أطر تنظيمية ومركزية تقيد الأعمال وتجعلها تراوح في مكانها إن لم تتراجع. كما أن الإفراط والغلو في التنظيم والترتيب قد يوقع أهله - وبخاصة أصحاب المشاريع الدعوية الجماعية - في حزبيات مقيتة وولاءات ملوثة؛ بحيث يصبح عند أهل التنظيم الواحد تحزب وتعصب لبعضهم يوالي بعضهم بعضًا، ويناصر بعضهم بعضًا؛ ويعادون أو ينابذون من سواهم من الطوائف الإسلامية؛ لا على أساس الإسلام، وإنما على أساس الحزب أو التنظيم؛ وهذا غلو وتطرف.
الطرف الثاني: أهل الإفراط والإضاعة: وهم الذين أهملوا الأخذ بالأسباب فأهملوا التخطيط والدراسة المتأتية التي تسبق العمل والتنفيذ، فقامت مشاريعهم على الفوضى والتخبط، فكانت النتيجة المترتبة على ذلك ضياع الأوقات والأموال والأعمال؛ إن لم يكن أكثر من ذلك من المفاسد العظيمة والشرور الجسيمة. وهذا الطرف يقابل الطرف السابق أو هو ردة فعل له.
وكما أنهم أهملوا وفرطوا في الدراسة والتخطيط فكذلك أهملوا الأخذ بوسائل التنظيم والترتيب. فجاءت أمورهم نتاج أعمال فوضوية، وتصرفات فردية تفتقد الشورى والروح الجماعية. بل واتهموا أي عمل منظم مدروس بأنه عمل حزبي بدعي.
الوسط العدل المتوازن: وهم الذين اقتفوا أثر النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين الذين أخذو بالأسباب والسنن الإلهية، فقامت أمور الدعوة والجهاد والمال عندهم على الدراسة والتخطيط، وحولوا ذلك إلى عمل مثمر مرتب يحكمه التنظيم وتوزيع الأدوار وتفعيل الطاقات، دون عرقلة للعمل ولا فوضى وفردية. إذن فأهل هذا الموقف لم تشغلهم الدراسة والتخطيط عن العمل والتنظيم، وتفعيل الطاقات والأدوار، ولم تنطلق أعمالهم وتنظيمهم دون دراسة وتخطيط، ولم يجعلوا أطرهم التنظيمية حجر عثرة لأعمال دعوية وخيرية، أو تعطيلاً للطاقات، أو حزبية مقيتة تلوث عقيدة الحب في الله والبغض في الله.
(1) ص (169-171) .
ثامن عشر: التوازن في تقويم الأعمال الدعوية والجهادية:
التقويم: كلمة تحتمل معنيين كلاهما مقصود: التقويم بمعنى النقد وبيان قيمة الشيء، والتقويم بمعنى التعديل والتوجيه. وهما أمران متلازمان يكمل أحدهما الآخر (1) ، والذين يقوِّمون الحركات الدعوية والجهادية في الأمة اليوم طرفان ووسط:
الطرف الأول: أهل الإفراط والغلو في المدح والثناء: وهم الذين يعرضون هذه الدعوة أو تلك على أنها الدعوة المثالية وأنها امتداد لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم. وتضطرهم هذه النظرة الغالية إلى تبرير للمواقف والأخطاء تبريرًا متكلفًا، حتى لكأنهم يعتقدون العصمة في القائمين عليها، كما يدفعهم ذلك إلى النظر في اجتهادات هذه الدعوة أو تلك على أنها الأمل الوحيد لنهضة الإسلام والمسلمين. وهذا بدوره يجعلهم ينظرون لغيرهم من الدعوات نظر الدونية وضعف الفهم والوعي والتربية والتخطيط.
الطرف الثاني: أهل الغلو والإفراط في النقد والتقويم: وهم الذين ينظرون إلى الدعوات الإصلاحية والحركات الجهادية نظرة تشاؤم وتحامل؛ فلا يرون إلا العيوب، فإن علموا شرًا أذاعوه وضخموه وإن علموا خيرًا كتموه أو أولوه أو أساءوا الظن بفاعليه.
إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحاً عنيِّ وما سمعوا من صالح دفنوا
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم (2)
وأهل هذا الطرف يقابلون الطرف الأول.