فهرس الكتاب

الصفحة 7643 من 9994

أهل الموقف الوسط العدل: وهم الذين تناولوا تقويم هذه الدعوات ودراستها دراسة عادلة متوازنة بعيدة عن الإفراط في التفاؤل أو التشاؤم، وبعيدة عن الإفراط في الحب أو الكره، وذكروا ما لهذه الدعوات من خير كثير وبلاء عظيم وأثر كبير في الأمة، مع الإقرار بالأخطاء والعثرات والاستفادة منها في تجنبها ومناصحة أهلها.

(1) مقالات في المنهج: (ص 90) .

(2) المصدر السابق: (ص 90) وما بعدها.

تاسع عشر: الوسطية والعدل والتوزان في نقد المخالف ومعالجة الأخطاء:

هذا المبحث في هذه الرسالة من أهم مباحثها وأطولها؛ وذلك لمساسه بالواقع، وما نعاني فيه من فرقة ومنابذة أفرزهما المنهج الخاطئ في النقد ومعالجة الأخطاء والجور مع المخالف؛ في وقت نحن في أمس الحاجة إلى الائتلاف والوحدة والاجتماع، لا إلى الفرقة والاختلاف، كما أننا في حاجة إلى أن يرحم بعضنا بعضًا، وأن يشفق بعضنا على بعض، وأن نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويناصح بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه. وإن كان الأمر مما يسعه الاجتهاد عذر بعضنا بعضًا فيه.

يقول شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى: «الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين. والفرع المتنازع فيه من الفروع الخفية فكيف يقدح في الأصل لحفظ الفرع» (1) .

ونظرًا لأهمية هذا الأمر ومسيس الحاجة إلى طرحه ومداولته بين الدعاة فسوف أطيل النفس فيه - إن شاء الله تعالى - محاولاً تغطيته من جوانبه المختلفة بإذن الله تعالى، فأرجو من القارئ الكريم أن يتحمل هذه الإطالة التي سأسعى إلى أن لا تكون مملة.

ومن أهم البواعث على التطويل في هذا الموضوع ما يلي:

1-«قلة الفقه بأنواع الخلاف، وما يسوغ منه وما لا يسوغ، وما ينكر منه، وما يسكت عليه، أو ينصح فيه، وعدم التمييز بين الخلاف في الأصول أو الفروع، واعتبار أصنافه كلها بمنزلة خلاف الأصول؛ كل ذلك أدى إلى كثير من الظلم والإجحاف والفرقة والاختلاف، فكان لا بد من عودة إلى ذلك الفقه الذي ينصف المخالفين ليعودوا مؤتلفين.

2-العصبية التي أهدرت الأوقات وأضاعت الجهود انحيازًا إلى مذهب أو إمام أو رأي فأورثت الفرقة والتباغض، وكان لا بد من تخفيف حدة العصبيات بالإنصاف، ولاءً للحق وتطييبًا لقلوب المخالفين.

3-عموم الإجحاف في تقويم الرجال والجماعات والكتب بسبب تعظيم الهفوات، وغياب الميزان العدل، وعدم اعتبار غلبة المحاسن، ولعدم التعامل بالاحترام اللائق مع المخالف، وبسبب التجريح الظالم لأهواء نفسية أو لمبالغة في تصوير المساوئ، بسبب كل ذلك عمَّت صور الظلم والتنافر فكان لا بد من ضوابط للتقويم تحقق الإنصاف وتشيع روح الألفة.

4-افتقاد كثير من المختلفين للموازنة بين المصالح والمفاسد في التعامل مع المخالفين، وعدم الخبرة بالأساليب الحكيمة في الدعوة، وفي الأمر والنهي؛ أدى إلى تظالم وتقاطع. فرأينا أن العودة إلى منهج أهل السنة تنصف المخالفين وتزيل القطيعة.

5-رجوع كثير من أسباب تظالم المختلفين إلى عدم إعذار المخالف بجهله، أو اجتهاده، وتأوله، أو قيام الشبهة لديه، وعدم قيام الحجة عليه مما أدى إلى تأثيم المخالف، والحكم بضلاله - وقد يكون ممن يعذره الله - فكان لا بد من إنصاف المخالفين بإعذار صاحب العذر منهم، مع مناصحته فيما أخطأ فيه، فهذا أعدل وأدعى إلى التآلف» (2) .

والموضوع من الأهمية بحيث لا يستكثر الكلام فيه. أسأل الله عز وجل أن يعينني على هذا الأمر، وأن يجعل فيه بابًا إلى الإصلاح، واجتماع القلوب، وتوفير الجهود على نشر هذا الدين والتصدي لكيد الأعداء والمفسدين وتسلطهم.

يقول شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى: «وهذا التفريق الذي حصل من الأمة: علمائها ومشائخها، وأمرائها وكبرائها، هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها؛ وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله ... فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب» (3) .

وقبل الدخول في تفصيل الموقف العدل المتوازن في نقد الأخطاء والموقف من المخالف يحسن التقدمة لذلك بمقدمتين هامتين:

المقدمة الأولى: في أنواع الخلاف المحمود منه والمذموم وأسبابه.

المقدمة الثانية: ضوابط شرعية في الرد على المخالف.

(1) مجموع الفتاوى: (22/245) .

(2) انظر «فقه الائتلاف» : (ص 12، 13) ملخصاً وبتصرف يسير.

(3) مجموع الفتاوى: (3/421) .

المقدمة الأولى: في أنواع الخلاف وأسبابه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت