يابني: الجهاد ذروة سنام الإسلام وتحديث النفس به شرط للبراءة من النفاق. ومع ذلك يابني فإذن الوالدين شرط للمشاركة في الجهاد فقد استأذن رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد فقال:"أحي والداك؟"قال: نعم. قال:"ففيهما فجاهد". متفق عليه من حديث عبدالله بن عمرو.
وروى هذا المعنى مسلم من حديث أبي هريرة. وأبويعلى والطبراني من حديث أنس. والوقت يابني يطول عن سرد النصوص في ذلك.
يابني: يبلغ حق الوالدين درجة لا تسقط معها الصلة حتى ولو كانا مشركين [وإن جاهداك على أن تشرك بي ماليس لك به علم فلا تطعهما] وفي الصحيحين من حديث أسماء رضي الله عنها قالت:"قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال:"نعم صِلِي أمك"."
يابني: أتدري من أحق الناس بحسن صحابتك؟ سأل رجل هذا السؤال النبيَّ صلى الله عليه وسلم قائلاً:من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال:"أمك"، قال: ثم من؟ قال:"أمك"، قال ثم من؟ قال:"أبوك".
يابني: كم يحتل أصدقاؤك من مكانة في قلبك تستوجب قائمة طويلة من التضحية، والإيثار، والمشاورة، والمجاملة؟ ولكن ألا تعلم يابني أن أمك، وأباك أحقُّ الناس بحسن صحابتك.
أتريد يابني أن تعرف عظم وجد الأم على ابنها فاسمع معي هذه الأبيات:-
لأمك حق لو علمت كبير*** كثيرك ياهذا لديه يسير
فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي *** لها من جؤاها أنة وزفير
وفي الوضع لوتدري عليها مشقة *** فمن غصص منها الفؤاد يطير
وكم غسلت عنك الأذى بيمينها *** وما حجرها إلا لديك سرير
وتفديك مماتشتكيه بنفسها *** ومن ثديها شرب لديك نمير
وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها *** حناناً وإشفاقا ًوأنت صغير
يابني: أتدري كم يبلغ فرط الأم وشوقها عليك حين تغادر المنزل حتى تعود؟ كم مرة أيقظتني من النوم لتقول: إن ابني لم يعد، كم مرة أزعجتني حين سافرت لتسأل متى يعود؟ وما شأنه؟ وأنت يابني سادر تعيش في عالم آخر. فتغيب عن المنزل دون أن تشعرها، وحين تسافر تنتظر اتصالك على أحر من الجمر لكنها لاتجد إلا اللامبالاة. أهذا حق أمك يابني؟.
يابني !: إنكم حين تواجهوا أنفسكم بالسؤال الصريح وتبحثوا عن موقعكم في خارطة البر أو العقوق، تدركون لماذا يكرر ويبدأ الموضوع ويعاد، لست بحاجة يابني لأفيض في الحديث عن حق الوالدين وعظم منزلتهما، لكني أسألك بصراحة أن تحدد موقعك أفي سياج البر، أم العقوق.
يابني: أتريد رضا الله عز وجل. فهو مرتبط برضا الوالد يخبرنا بذلك أعلم الخلق بالله سبحانه وتعالى فيقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي والحاكم عن عبدالله بن عمرو:"رضا الرب في رضا الوالد وسخط الرب في سخط الوالد".
أرأيت يابني أي بوار وهلاك يجنيه من يسخط والده، حيث يستجلب على نفسه سخط رب السماء والأرض؟. ومن ذا يابني يطيق هذا الوعيد الشديد؟
يابني: إن الجنة مطلب الجميع، ومسعى من سهروا وهجروا الرقاد ،ومطلب من بذلوا الأرواح والمهج رخيصة للّه. أتدري بعد ذلك يابني أن الوالد أوسط أبواب الجنة.
ويندب صلى الله عليه وسلم من أضاع هذه الفرصة فيقول:"رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه"قيل: من يارسول الله؟ قال:"من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة"رواه مسلم.
يابني: إن الدعاء هو الملجأ للمسلم حين تدلهمُّ به الخطوب، وحن تقفل الأبواب أمامه. أتعلم أن بر الأم من أسباب إجابة الدعاء؟ لقد كان أول الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فدعا الله بصالح عمله: رجلا بارًّا بأمه.
وخير التابعين أويس القرني رضي الله عنه كان برًّا بأمه فكان مجاب الدعوة يوصي النبي صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه أن يطلب منه الدعاء. وهذا فوق أنه شهادة بر وصلاح لأويس فهو رسالة إلى كل من كان له أم أن برها من أسباب استنزال النصر، واستحقاق إجابة الدعوة.
فدونك فارغب في عميم دعائها *** فأنت لما تدعو إليه فقير
يابني: أعرفت الآن أن البر ينتج لصاحبه رضا الله، ودخول الجنة، وإجابة الدعاء؟
يابني: توهم نفسك كثيراً أن حق والديك عليك أعظم، وأنك وفيٌّ لهما بارٌّ بهما. لكني أذكر أنك ذات يوم اعتذرت عن إجابة دعوة أمك محتجاً بالتعب والإرهاق، وحينها قدم زميلك محمد وهو شاب خير لا مطعن فيه، فنسيت ما بك من بأس وفقدت التعب والإعياء، أهكذا يابني مفهوم البرِّ لديك؟
يابني: إليك صورة من حقيقة البر؛ لتدرك أن إحضار الخبز، أو الإيصال لزيارة، أو الوفاء بمطلب ليس هو منتهى البر وأداء الحق.
عن أبى هريرة رضي اللّه عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لايجزي ولدٌ والده إلا أن يجده مملوكاً فيعتقه"رواه مسلم وأهل السنن.