فهرس الكتاب

الصفحة 7682 من 9994

ويدرك ابن عمر رضي الله عنهما أن البر يمتد حتى بعد موت الوالد فيلقى أعرابياً في الطريق فيركبه راحلته، ويعطيه عمامة له على رأسه . فقيل له إنهم أعراب يرضون باليسير. فيقول رضي اللّه عنهما إن أبا هذا كان وداً لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه"رواه مسلم.

يابني: نقف وإياك سريعاً مع بعض صور البر لدى سلف الأمة علك تدرك أن الكثير مما يظنه البعض من شبابنا براً لايرقى لذلك:

محمد بن المنكدر الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام كان براً بأمه وكان يضع خده على الأرض ثم يقول لأمه قومي ضعي قدمك على خدي. وقال سعيد بن عامر عنه: بات أخي يصلي وبت أغمز قدم أمي ، وما أحب أن ليلتي بليلته.

وكهمس الحنفي البصري العابد أبو الحسن من كبار الثقات. أراد قتل عقرب فدخلت في جحر فأدخل إصبعه خلفها فضربته، فقيل له. قال خفت أن تخرج فتجىء إلى أمي تلدغها.

وعبدالله بن عون الإمام القدوة عالم البصرة نادت أمه فأجابها فعلا صوته صوتها فأعتق رقبتين.

وابن سيرين شيخ الإسلام مولى أنس رضي اللّه عنه إذا كان عند أمه لو رآه رجل لا يعرفه ظن أن به مرضاً من خفض كلامه عندها.

أما عروة بن الزبير الإمام الفقيه فتزداد حساسيته فيرى أن من شد الطرف إلى والده فلم يبره.

ولقد كانت الرحلة في طلب العلم من أشد مايعنى به السلف، وكانوا يعدونها كالماء للسمك. والهواء للطائر. ومع ذلك تركها جمع منهم براً بأمهاتهم. وممن فعل ذلك يابني بُندار الإمام الحافظ راوية الإسلام، وأبو العباس أحمد بن علي الأبار الحافظ المتقن الإمام الرباني، والإمام العلامة محدث الشام الحافظ ابن عساكر، وغير هؤلاء كثير.

يابني: لقد أتبع الله العقوق والعصيان بالشرك به [قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً] وهاهو معلم البشرية ومرسي معالم العلاقات الإنسانية صلى اللّه عليه وسلم يربط العقوق بالشرك باللّه، ويدرجه ضمن قائمة أكبر الكبائر.

حديث حول العقوق

يابني: إن العقوق شؤمه عاجل، وعقوبته قريبة في الدنيا، روى الطبراني عن أبي بكرة رضي اللّه عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"اثنان يعجلهما اللّه في الدنيا: البغي، وعقوق الوالدين". وروى الحاكم في المستدرك من حديث أنس رضي الله عنه:"بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا: البغي و العقوق". فهل يأمن العاقُّون يابني أن تحل بهم كارثة أو تصيبهم مصيبة؟

يابني: أتدري مانتائج العقوق: كبيرة من أكبر الكبائر تقرن بالشرك باللّه عز وجل. ومجلبة لسخط اللّه سبحانه. ومدعاة لتعجيل العقوبة في الدنيا، وأزيدك الأخرى حين يسيء الابن إلى والديه يدعوه ذلك للدعاء عليه. وهي دعوة مستجابة يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"ثلاث دعوات مستجابات لاشك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم"رواه أحمد وأبو داود والترمذي. حينئذٍ . يجتمع على هذا الابن عمل ضعيف زهيد يبعده من رحمة الله أصلاً، وعقوق تعجل له فيه عقوبة أو قارعة، ويأتي بعد ذلك الدعاء الذي لايرد، إنها مصائب يابني يجنيها العاق، واحدة منها كافية لوعظه وردعه إن كان له قلب.

يابني: إن العقوق أبواب كثيرة، ومجالات شتى، ولكن العقوق غاية العقوق يابني عقوق المنهج والسلوك والفكر؛ فحين يكون الأب صالحاً عابداً قانتاً والابن خلاف ذلك، حين يكون الأب يفزع للصلاة عند سماع النداء، ويتخلص من كل مشاغله حين يطرق مسامعه صوت حي على الفلاح. حين يكون كذلك. أفليس من العقوق أن يكون الابن سادراً غافلاً بعيداً عن إجابة النداء؟ وحين يعود الأب للصلاة والدعاء يعود الابن من سهرة مع رفقة ساقطة، وحين يكون الأب مبادراً إلى الصلاة حين يسمع النداء أما الابن فغاية تبكيره أن يدرك الركعة الأخيرة، ومنتهى مبادرته أن يأتي قبل سلام الإمام هذا إذا أدى الصلاة مع الجماعة، وحين يكون الأب ورعاً عن الشبهات، بعيد عن المريبات والابن ساعياً للحرام، حين يكون الأمر كذلك فهذا واللّه هو العقوق الأشد والأنكى.

حين يخطيء الوالد

يابني: الأب ناصح حنون، ومشفق ودود. وما خلت يوماً أن أباً يود الشر لابنه، أو يحسده على أن حقق خيراً دونه، لكن يا بني: قد يضل بعض الآباء الطريق، أو يخطئ السبيل. فيدرك الابن أن مايقوله أبوه ليس حقاً، وما يدعوه إليه لايسوغ بحكم الشرع ومنطق العقل. فكيف يتعامل الابن مع خطأ والده يابني؟

أولاً: حين يقع الأب في مخالفة شرع الله فليس له فيه قدوة، والطاعة إنما هي في المعروف وقد عاب اللّه الذين قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة، والأب له حق عظيم لكن حق الله أعظم. وواجب محتم لكن وجب اللّه اتم وأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت