فهرس الكتاب

الصفحة 8107 من 9994

وفي هذه الآية الكريمة شهادةٌ عظيمة من ربِّنا العظيم لعُمَّار المساجد سواءً بالذكر والعلم والصلاة والقرآن, أو بالصيانة والتعاهد والتنظيف والبناء والعمران , بأنهم من أهل الإيمان متى انطبقت عليهم شروط الآية: الإيمان بالله واليوم الآخر, وإقامة الصلاة, وأداء الزكاة, وخشية الله والإخلاص له, لأن بناء المساجد عملٌ ظاهر قد يقوم به البَرُّ والفاجر لأغراض مختلفة, فلا بد من توفر الإيمان والقيام بشرائع الدين وإخلاص العمل لرب العالمين فبهذا ينال الجزاء الوافر , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَن بَنى مسجداً يبتغي به وجهَ الله , بَنى الله له مثلَه في الجنةِ ) ) [1] .

وممَّا فُضِّلت به هذه الأمة على غيرهم , أن جُعلت لها الأرض مسجداً وطهوراً, ولهذا دعا الإسلام إلى الاقتصاد في بناء المساجد, وعدم زخرفتها وتزويقها لما في هذا العمل من الإسراف والتبذير وإشغال المصلين, وهذا عمر بن الخطاب حين أراد تجديد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رضي الله عنه: (أكِنَّ الناس من المطر وإياك أن تحمِّر أو تصفِّر فتفتن الناس) ويعني بهذا الزخرفة .

فالله المستعان: أين عمر ليرى الناس اليوم وهم يبالغون في النقوش المُلهية , بل والمفاخرة والمباهاة بالمساجد وهذا من أشراط الساعة , فلقد صحَّ في مسند الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا تقومُ السَّاعةُ حتى يتباهى النَّاس في المسَاجد ) )وفي رواية للنسائي وابن خزيمة: (( مِن أشراطِ السَّاعة أن يَتباهى النَّاس في المسَاجد ) ) [2] . قال البخاري: (قال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً , فالتباهي بها: العناية بزخرفتها.

قال ابن عباس: (( لَتُزَخْرِفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى ) ).

وانظر إلى حال أكثر الناس اليوم, خالفوا هدي الإسلام في المساجد, شيَّدوا وزخرفوا وعمَّروها ظاهراً لكن العمارة الحقيقية لها بالصَّلاة والمحافظة عليها وإحياء دورها شُغِل عنها أكثر الناس فصدق عليهم قول القائل:

مَآذِنُكُمْ عَلَتْ فِي كُلِّ حَيٍّ وَمَسْجِدُكُمْ مِنَ العُبَّادِ خَالِي

وتأمَّل - كيف أُصيب المسلمون اليوم بالكسل والتَّباهي بالمساجد وتعدُّدها في الحيِّ الواحد, فكلَّما اجتمع ثلاثةٌ أو أربعة ابْتَنَوا مسجداً, ولا ريب أن كثرة المساجد في المكان الواحد مما يسبب تفرق المسلمين, وتقليل عدد المصلين, وهو في الوقت نفسه سببٌ لتلاعب الكُسالى وعدم محافظتهم على صلاة الجماعة , وهو أيضاً يسبب العجز عن توفير الأئمة الأكفياء لها علماً أن كثرة عدد المصلين مطلوبةٌ شرعاً , فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( صلاةُ الرجلِ معَ الرجلِ أزكَى من صلاتِهِ وحدَهُ , وصلاتُه معَ الرجلينِ أزكَى من صلاتِه معَ الرجلِ , ومَا كانَ أكثر فهُو أحبُّ إلى الله تعالى ) ).

فمتى يعي المسلمون هذه الحقيقة ؟ ومتى يدركون أهمية جمع الكلمة ووحدة الصف في الإسلام ؟ والله المستعان.

أيُّها المسلمون: لقد أوجب الإسلام على المسلمين عمارةَ المساجد بأداء صلاة الجماعة فيها , فهي واجبةٌ على الرجال يحرم التخلُّف عنها بدون عذرٍ شرعيٍّ من مرض وخوف , ورتَّب الإسلام أحكاماً وآداباً لمن خرج إلى المسجد عليه أن يتحلى بها فمن ذلك:

حُسن المظهر: فالمسلم لا بد أن يَسْتَشْعِرَ عظمة من يقف بين يديه وأنه سيكون في بيت من بيوته , قال تعالى: (( يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) ) (31: الأعراف) .

قال الحافظ ابن كثيرٍ رحمه الله عن تفسير هذه الآية: (ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنَّة يُستحبُّ التَّجمُّل عند الصلاة ولا سيما صلاة الجمعة ويوم العيد والطِّيب لأنه من الزِّينة والسِّواك لأنه من تمام ذلك) . وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( إذا صلَّى أحدُكم فلْيلبس ثوبيهِ فإنَّ الله أحقُّ من تزيَّن له ) ) [3] . [ رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/221 , والبيهقي 2/236 وإسناده حسن كما في مجمع الزوائد 2/51 , وانظر سلسلة الصحيحة 3/356 ] .

فليعلم هذا من يؤذي المصلين بالرَّوائح الكريهة من ثومٍ أو بصلٍ أو شربٍ للدُّخان أو عدم تنظيف للجسم , فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من أكل ثوماً أو بصلاً فلْيعتزل مسجدنَا فإنَّ الملائكةَ تتأذَّى ممَّا يتأذَّى منه بنو آدم ) ).

ومن الآداب أن يبادر المسلمُ بالحضور إلى المسجد والتَّبكير إليه وانتظار إقامة الصلاة , فقد قال صلى الله عليه وسلم: (( .. ولو يَعلمون ما في التَّهجير لاسْتبقوا إليه... ) ).

وهو التبكير إلى الصلوات , ولقد عَلم سلفنا الصالح - رحمهم الله - ما فيه من الثواب فحافظوا عليه ... فسعيد بن المسيِّب رحمه الله يقول: (ما أذَّن المؤذن من ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد) . ولم تفته صلاة الجماعة طيلة أربعين سنة .

وكان الأعمش رحمه الله رغم كِبَرِ سنِّه محافظاً على التَّكبيرة الأولى قريباً من سبعين سنة, وهذا المحدِّث بشر بن الحسين كان يقال له ( الصَّفِّي ) لأنه كان يلزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين سنة.

أما الداعية الأمَّار بالمعروف إبراهيم بن ميمون المروزي فلقد كان صائغاً يطرق الذهب والفضة فكان إذا رفع المطرقة فسمع النداء للصلاة لم يردَّها. فرحم الله أولئك الأقوام , فأين من يشبههم الآن , فلقد صدق من قال: (إذا ذُكرت أحوال السلف بيننا افتُضحنا) نسأل الله أن يتجاوز عن زللنا وتقصيرنا , وذنوبنا وآثامنا .

ولو لم يحصل من ثمار المبادرة إلى المسجد إلا إدراك تكبيرة الإحرام لكفَى , فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَن صلَّى لله أربعين يوماً في جماعةٍ يدرك التَّكبيرة الأولى كُتب له براءتان: براءةٌ من النَّار وبراءةٌ من النِّفاق ) ). [رواه الترمذي بإسناد حسن, صحيح الترمذي للألباني] .

ومن آداب الخروج إلى المسجد أن يدعو بما ورد وهو أن يقول: اللهمَّ اجعل في قلبي نوراً, وفي لساني نوراً, واجعل في سمعي نوراً, واجعل في بصري نوراً , ... الخ الحديث.

وأن يمشي بسكينة ووقارٍ , قال صلى الله عليه وسلم: (( ألا أدلُّكم على ما يمحو به اللهُ الخطايا ويرفع به الدَّرجات , قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغُ الوضوء على المكارِهِ , وكثرةُ الخُطا إلى المساجد , وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرِّباط فذلكم الرِّباط ) ). [رواه مسلم 251] .

و (( مَن تطهَّر في بيته ثم مَشى إلى بيتٍ من بيوت الله ليقضي فريضةً من فرائض الله كانت خطوتاه إحداهما تحطُّ خطيئة والأخرى ترفع درجة ) )بهذا صح الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم [رواه مسلم 666] .

فإذا وصل المسلم إلى المسجد قدَّم رجله اليمنى وقال: اللهم افتح لي أبواب رحمتك . وتقدم للصف الأول وحرص على القرب من الإمام , فلقد صحت في فضل هذا العمل الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم . ويُشرع له أن يسلم على من فيه ولو كانوا في صلاة والمصلِّي عليه أن يردَّ بالإشارة بكفه.

ثم يصلي المسلم تحية المسجد ركعتين حتى بعد الفجر وبعد العصر على الرَّاجح كما هو روايةٌ عن الإمام أحمد رحمه الله . وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة فإذا طمع بإدراك تكبيرة الإحرام بعد الإمام مباشرةً فلا يقطعها بل يتمّها كما لو أقيمت وهو في السجود من الرَّكعة الثانية أو في التشهد وإن لم يطمع فإنه يقطعها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت