أيُّها المسلمون: إن المساجد أحب البقاع على الله تعالى لأنها مكان الصلاة والعبادة وذكر الله وتعمُرها الملائكة, قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أحبُّ البلادِ إلى الله مساجدُها , وأبغضُ البلادِ إلى الله أسواقُها ) ). [رواه مسلم] .
ولقد وضَّح صلى الله عليه وسلم وظيفة الجالس في المسجد حيث قال للأعرابي الذي بال في المسجد: (( إنَّ هذه المساجد لا تَصلح لشيءٍ من هذا البَول ولا القذر إنَّما هي لذكر الله عزَّ وجل والصلاةِ وقراءةِ القرآن ) ). [رواه البخاري ومسلم] .
وليحذر المسلم من الكلام المحرم فهو في المسجد أشدُّ تحريماً , ومن النَّاس من يتقدم إلى المسجد ويُكثر من الكلام مع جاره بما لا فائدة منه بل فيه المضرَّة والإثم , وهؤلاء حرَموا أنفسهم فضائل الأعمال من قراءة القرآن والتَّسبيح والذِّكر.
ولقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن رفع الصَّوت بالقراءة خوفاً من التَّشويش على المصلين والتَّالين فكيف بمن يرفع صوته في المسجد بأمور الدنيا ومَن بجواره يقرؤون القرآن, ولقد نصَّ أهل العلم على كراهة رفع الصوت في المسجد إلا فيما لا بدَّ منه من العلم ونحوه. أما البيع والشِّراء في المسجد والبحث عن الشيء المفقود فلقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (( إذا رأيتُم من يبيعُ أو يبتاعُ في المسجد فقولوا: لا أربحَ الله تجارتَك , وإذا رأيتم من يَنشدُ ضالَّةً في المسجد فقولوا: لا ردَّ الله عليك ) ). [رواه مسلم وأبو داوود والترمذي] .
فالمساجد أسواق الآخرة فينبغي أن تُصان عن أمور الدنيا من بيع وشراء وإجارة وقرض ونحوها.
أيُّها المسلم: إياك أن يكون حظُّ المسجد منك إذا حضرت هو النّوم والنعاس ولا سيَّما في يوم الجمعة فإنه يوم عظيم ينبغي استغلاله بالقراءة والذكر والدعاء ولا سيما قبل صلاة الجمعة , ولكي تتفادى النُّعاس عليك أن تأخذ قسطاً من الرَّاحة قبل الحضور إلى المسجد ولا تستسلم لما يُسبِّب النعاس من الاستناد إلى جدارٍ أو خفضٍ للرأس , ولقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى علاج يسير فقال صلى الله عليه وسلم: (( إذا نعسَ أحدُكم وهو في المسجدِ فليتحوَّل عن مجلسِه ذلك إلى غيره ) ). [أخرجه أبو داوود] .
وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه , وهدانا جميعا صراطَه المستقيم إنه جواد كريم, أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ويرضى , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليُّ الأعلى , وأشهد أن محمَّداً عبده ورسوله المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولو العلم والتقى , وعلى من تبعهم بإحسان واقتفى , وسلم تسليما.
أمَّا بعدُ فيَا أيُّها المسْلمون: اتقوا الله حقَّ التقوى , وراقبوه في السرِّ والنَّجوى , واعلموا عباد الله: أن أصدق الحديث كتابُ الله , وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم , وشرّ الأمور محدثاتها , وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
أيُّها الإخوة: إن السعداء في يوم القيامة هم الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ومنهم الرجل الذي قلبه متعلق بالمسجد يحبه حباً شديداً ويلازم صلاة الجماعة ويشتاق إليها , فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( سبعةٌ يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه .. فذكر منهم - ورجلٌ قلبه معلَّقٌ في المساجد ) ). [رواه البخاري ومسلم] .
وفي رواية مالك في الموطَّأ: (( ورجلٌ قلبه متعلق بالمسجد إذا خرجَ منه حتَّى يعود إليه ) ). هذا والمنتظرُ للصلاة في صلاة , والملائكة تقول: اللهمَّ اغفر له اللهمّ ارحمه , بل جاء في الحديث الصحيح بيانُ فرحِ الرب وإقباله على عبده إذا قصد المسجد وبادر إليه , قال صلى الله عليه وسلم: (( ما توطَّن رجلٌ مسلمٌ المساجدَ للصلاةِ والذكرِ إلا تَبَشْبَشَ اللهُ تعالى إليه كما يتبشبش أهلُ الغائبِ بغائبهم إذا قَدِمَ عليهم ) ). [أخرجه ابن ماجة والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين- وهو في صحيح الترغيب والترهيب 1/202] .
والبشّ: فرحُ الصديق بالصديق واللطف في المسألة والإقبال عليه , وهذا مثل ضربه لتلقيه إياه بالبر والتقريب والإكرام [النهاية لابن الأثير 1/130] .
إن المسجد هو بيت الله عز وجل , لا بيت أحدٍ من الأحياء أو الأموات, فيه نتطهَّر ونتذكَّر, وفيه نسمو ونعلو, وإن الإنسان ليتقلب في هذه الحياة ما استطاع التقلُّبَ, وتؤثِّر فيه الدنيا بما تستطيع من تأثير فيناله اعوجاجٌ هنا, أو رهقٌ هناك, ويعلق به من زيف الحياة أو باطلها ما يعلق فإذا سعى إلى المسجد متطهراً ودخل في رحابه, وتوجه إلى الله في محرابه , سَمَى فوق المادة وتخلص من زيف الحياة , وارتبطت أسبابه بالله , وتنزلت عليه رحمات ربه الرحيم وأحس كأنه ليس في بقعة من بقاع الدنيا بل في الفردوس الأعلى . ولعل من هذا ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (( وما اجتمعَ قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتابَ الله ويتدارسونَه بينهم إلا نَزلت عليهم السَّكينة وغشيتهمُ الرَّحمة وحفَّتهم الملائكة وذكرهُمُ الله فيمن عنده .. ) ).
عبَاد الله: المساجد بيوت الله فيها السكينة والإِلفة والاجتماع والمحبة فلا يجوز أن تكون ميداناً للخصومات والمنازعات , والمشاحنات والاتِّهامات كما يفعله بعض المسلمين- هداهم الله- بل إن من أهداف الاجتماع في المسجد الواحد جمع الكلمة ووحدة الصف, والتآلف والتراحم, فالصغير يحترم الكبير , والكبير يرحم الصغير, والعاميُّ يوقِّر طالب العلم ويعرف له قدره وهكذا تكون الحياة السعيدة الهانئة تكاتفٌ وتآلف, وتناصح وتعاطف فالإسلام جاء بالاجتماع والائتلاف ونهى عن التفرق والاختلاف والله المستعان.
أيُّها المسلمون: مما لا يجوز فعلُه في المساجد حجزُ المكان منه إما بفرش سجادة أو وضع عصا أو كتاب ونحوه وصاحب المكان إما في بيته أو في عمله وهذه الظاهرة تكثر في المسجد الحرام ولا سيما في رمضان, ألا فليعلم أن من سبق إلى مكان في المسجد فهو أحق به .
هذا ولا يدخل في المنع من الحجز مَن ذهب ليتوضأ ونحو ذلك مما لا بدَّ منه فإن من قام من مكانه ثم رجع إليه فهو أحق به. وحجز الأماكن يسبب النزاع والخصومات وربما تخطى صاحبه رقاب الناس وآذاهم بدون حاجة إلى التخطي والله المستعان.
أيُّها الشباب الفضلاء: تذكروا- أعانكم الله- حينما تذاكرون دروسكم في المساجد حرمةَ المسجد ومكانتَه فحافظوا على نظافتها, واجتنبوا رفع الصوت فيها, أو الإفراط في المُزاح أو إدخال صورٍ ذات أرواح أو الخروج من المسجد بعد الأذان بدون نيَّة الرجوع إليه فإن هذا مما نُهيَ المسلم عنه وتذكروا أنه كلما عظَّم المرءُ شعائر الله , كلما كان أقرب إلى توفيق الله.
وفق الله المسلمين إلى ما فيه صلاحهم إنه على كل شيء قدير ثم صلوا وسلموا على إمام المتقين وسيد النبيين محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
[1] متفق عليه
[2] انظر أشراط الساعة للوابل ( 146) .
[3] رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/221 , والبيهقي 2/236 وإسناده حسن كما في مجمع الزوائد 2/51 , وانظر سلسلة الصحيحة 3/356 .