والله تعالى قد تولى الدفاع عن نبيه صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ) ) (الحج: 38) .
وأعلن عصمته له من الناس: (( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) ) (المائدة: 67) .
وأخبر أنه سيكفيه المستهزئين (( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) ) (الحجر: 95) سواء كانوا من قريش أو من غيرهم .
قال ابن سعدي رحمه الله: وقد فعل تعالى , فما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به إلا أهلكه الله وقتله شر قتلة .أهـ أخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي وأبو نعيم كلاهما في الدلائل وابن مردويه بسند حسن والضياء في المختارة .
عن ابن عباس في قوله: (( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) )قال: المستهزئون, الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب والحارث بن عبطل السهمي والعاص بن وائل, فأتاه جبريل فشكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرني إياهم, فأراه كل واحد منهم , وجبريل يشير إلى كل واحد منهم في موضع من جسده ويقول: كَفَيْتُكَهُ, والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما صنعت شيئا ! .
فأما الوليد , فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلاً فأصاب أكحله فقطعها .
وأما الأسود بن المطلب, فنزل تحت سمرة فجعل يقول: يابنيّ, ألا تدفعون عني؟ قد هلكت وطُعنت بالشوك في عينيّ فجعلوا يقولون: ما نرى شيئاً فلم يزل كذلك حتى عتمت عيناه .
وأما الأسود بن عبد يغوث , فخرج في رأسه قروح فمات منها .
وأما الحارث فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منه .
وأما العاص فركب إلى الطائف فربض على شبرقة فدخل من أخمص قدمه شوكة فقتلته ( الدر المنثور 5/101) .
أيها المسلمون: لقد أعظمت قريش الفرية على رسول الله صلى الله عليه وسلم , فرمته بالسحر تارة وبالكذب تارة وبالجنون أخرى , والله يتولى صرف ذلك كله عنه لفظاً ومعنىً , ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا ترون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم, يشتمون مذمماً ويلعنون مذمماً, وأنا محمد.
وهكذا هذه الرسومات التي نشرت على هذه الصفحات السوداء , هي قطعاً لا تمثل شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هي صور أملاها عليهم خيالهم الفاسد واعتمدها الشيطان ورسمها لهم سامريهم الأفاك! .
أما محمد صلى الله عليه وسلم فوجهه يشع بالضياء والنور والبسمة والسرور ,لم يستطع أصحابه رضي الله عنهم أن يملئوا أعينهم منه إجلالاً له - وقد عاصروه - فكيف بمن لم يجمعه به زمان ولم يربطه به خلق ولا إيمان ؟!
لقد جاء خبر الصدق من الملك الحق المبين: (( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ) ) (الكوثر: 3) .
ليبقى كل شانئٍ للنبي صلى الله عليه وسلم وكل معارض لدينه هو الأبتر المقطوع المنبوذ . أين أبو جهل هل بقي ذكره أم التصق به وصف الجهل في حياته وبعد مماته ؟! وأين أبو لهب لقد مات ومات ذكره فليس يعرف إلا بالهب ؟! و ( سيصلى ناراً ذات لهب ) .
وأين ملوك الأكاسرة والقياصرة .. أين ماركس ولينين وستالين وهتلر وكمال أتاتورك جبابرة الأرض وجلادي الشعوب... لقد طمرتهم الأرض ونُسيت رسومهم , ولحقتهم اللعنات, وباتوا بثقل التبعات . لقد مزق كسرى كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسخر من رسوله, فدعاء عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يمزق الله ملكه, فمزق وقتل على يد أقرب الناس إليه- ابنه - !
وروى البخاري في صحيحة من حديث أنس قال: (( كان رجل نصراني , فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران, وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم , فعاد نصرانياً, فكان يقول: لا يدري محمد إلا ما كتبت له, فأماته الله, فدفنوه, فأصبح وقد لفظته الأرض, فقالوا: هذا فِعْل محمدٍ وأصحابه, نبشوا عن صاحبنا فألقوه, فحفروا في الأرض ما استطاعوا, فأصبح قد لفظته, فعلموا أنه ليس من الناس, فألقوه ) ).
علَّق شيخ الإسلام ابن تيمية على الحديث فقال: فهذا الملعون الذي قد افترى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يدري إلا ما كتب له, قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دفن مراراً, وهذا أمر خارج عن العادة ' يدل كل أحد على أن هذا كان عقوبة لما قاله , وأنه كان كاذباً ..الخ .
ويقول أيضا رحمه الله: وإنَّ الله منتقمٌ لرسوله ممن طعن عليه وسَبَّه، ومُظْهِرٌ لِدِينِهِ ولِكَذِبِ الكاذب إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحد، ونظير هذا ما حَدَّثَنَاه أعدادٌ من المسلمين العُدُول، أهل الفقه والخبرة، عمَّا جربوه مراتٍ متعددةٍ في حَصْرِ الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا، قالوا: كنا نحن نَحْصُرُ الحِصْنَ أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنعٌ علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرض أهلُهُ لِسَبِّ رسولِ الله والوقيعةِ في عرضِه تَعَجَّلنا فتحه وتيَسَّر، ولم يكد يتأخر إلا يوماً أو يومين أو نحو ذلك، ثم يفتح المكان عنوة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة، قالوا: حتى إن كنا لَنَتَبَاشَرُ بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه ، مع امتلاء القلوب غيظاً عليهم بما قالوا فيه .
وهكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات أن المسلمين من أهل الغرب - يعني المغرب - حالهم مع النصارى كذلك.أهـ ( الصارم المسلول ص 116-117)
وبالمقابل فقد علم بعض ملوك النصارى أن إكرام كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقي فيه الملك ما شاء الله .
ذكر ابن حجر في فتح الباري ج1 ص44 عن السهيليُ أنه بلغه أن هرقل وضع الكتاب في قصبة من ذهب تعظيماً له، وأنهم لم يزالوا يتوارثونه حتى كان عند ملك الفرنج الذي تغلب على طليطلة، ثم كان عند سِبطه، فحدثني بعضُ أصحابنا أن عبد الملك بن سعد أحد قواد المسلمين اجتمع بذلك الملك فأخرج له الكتاب ، فلما رآه استعبر، وسأل أن يمكِّنه من تقبيله فامتنع .
ثم ذكر ابن حجر عن سيف الدين فليح المنصوري أن ملك الفرنج أطلعه على صندوق مُصفَّح بذهب ، فأخرج منه مقلمة ذهب ، فأخرج منها كتاباً قد زالت أكثر حروفه ، وقد التصقت عليه خِرقَة حرير، فقال: هذا كتاب نبيكم إلى جدي قيصر ، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤُنا أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا ، فنحن نحفظه غاية الحفظ، ونعظمه ونكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا"أهـ ."
عباد الله: إن فضائل النبي صلى الله عليه وسلم لا تكاد تحصى كثرةً فهو منّة الله على هذه الأمة
قال تعالى: (( لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) ) (آل عمران: 164) .
امتدحه ربه ورفع منزلته فهو أول من تنشق عنه الأرض ,وأول من يدخل الجنة, وله المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون, والحوض المورود واللواء المعقود .. إلى غير ذلك من الفضائل والخصائص التي اختص بها عن غيره, وهي مدونة في كتب الدلائل والشمائل والخصائص والفضائل, لقد شهد بفضل نبينا صلى الله عليه وسلم القاصي والداني والصديق والعدو, وأنَّى لأحد أن يكتم فضائله صلى الله عليه وسلم وهي كالقمر في ضيائها, وكالشمس في إشراقها وهو صلى الله عليه وسلم كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن .