وقال تعالى: (( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ ) ) (النساء: 65) .
فهذا الدين يحكم حياة المسلمين وينظم أمورهم في مسائل الإعتقاد والعبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك والإقتصاد .
قال تعالى: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً.. ) ) (المائدة: 3) .
ومما هو مجمع عليه عند أئمة المسلمين ومتقرر لدى عامتهم أنه لا يجوز بحال من الأحوال رفض شيء من أحكام الإسلام وإستبداله بغيره من أحكام البشر وقوانينهم تحت أي مسمى ... ولأي ظرف أو عذر . وأن من فضل الأحكام البشرية على الأحكام الشرعية أو حتى فعلها معتقداً جوازها من غير تفضيل فإن ذلك كفر وردة عن الإسلام وهو أحد النواقض العشرة التي يحفظها صغار الطلبة.
أيها المسلمون: في أي مرحلة من مراحل ضعف المسلمين عبر التاريخ لم يكن هذا الضعف وذلك التقصير بسبب ضعف إيمانهم وقناعتهم بشمولية هذا الدين وصلاحيته لكل زمان ومكان أو كان راجعاً إلى رفض بعض أبنائه لشيء من أصوله الكبرى وعراه الوثقى كالذي نشاهده اليوم.
أيها المسلمون: وعبر تاريخ المسلمين الطويل حدثت بدع وظهرت فرق ونشأت طوائف ضلت عن سواء السبيل في مسائل الإيمان والأسماء والصفات والقضاء والقدر ، وغيرها كبدع الرافضة والقدرية والخوارج والمرجئة والصوفية وغيرها ، كلما ظهرت بدعة وأطلت فتنة تصدى لها الأئمة وعلماء السنة بالرد والبيان ، وهكذا في كل عصر ومصر وإلى يومنا هذا لا تزال طوائف تترى وبدع تنتشر وتتلى لا تقل أثراً ولا تهون خطراً من تلك التي قاومها أئمة السنة وعلماء السلف.
أيها المسلمون: إننا ومنذ بداية الإستعمار الأجنبي على العالم الإسلامي والعربي نبت نبتة غريبة في العالم الإسلامي هذه النبتة بل هذه النحلة والبدعة أصلها ومنشؤها وملابسات نشأتها في الغرب النصراني ثم صدرت إلينا . وبالأصح إستوردها بعض المحسوبين على الأمة ضمن ما أُستورد من طرود الفكر والثقافة: إنها فكرة أو اتجاه العلمانية حيث كانت في الأصل ثورة علمية في وجه قيود وأغلال الكنيسة في أوربا التي حرمت العلم والتفكير والإنتاج والإبداع ثم طرقت أبواب العالم الإسلامي على يد المستغربين من الرواد الأوائل الذين قبلوا وبإعجاب شديد جميع ما لدى الحضارة الغربية من خيرها وشرها وحلوها ومرها.
معاشر المسلمين: لتعلموا أن العلمانية معناها والمراد بها: هو بناء الدنيا منفصلاً عن الدين وفصل الدين عن حياة الناس ، وجاء في أحد القواميس الغربية أن هذه الكلمة تعني: دنيوي أو مادي وفي دائرة المعارف البريطانية تصفها بأنها حركة اجتماعية تهدف إلى نقل الناس من العناية بالآخرة إلى العناية بالدار الدنيا فحسب.
أيها المسلمون: هذا الاتجاه العلماني الرامي إلى إقصاء حكم الإسلام عن السياسة والإقتصاد والاجتماع وسائر الأمور الحياتية وقصره على العبادة الخاصة وأحكام الزواج والطلاق والمواريث - مع منازعتهم إياها أخيراً - هذا الاتجاه وهذا الفكر متغلغل لدى طائفة من أبناء المسلمين من حملة الشهادات وأرباب الفكر ومن الأكاديميين والإعلاميين ..
لهذا كان من الواجبات في هذا العصر بيان هذه النحلة وكشف عوارها وفضح أصحابها وبيان أحوالهم وصفاتهم وأثرهم على الأمة وعلى رسالة الإسلام فهم الطابور الخامس وهم خناجر يحركها الأعداء في الأزمات لينوع بها الطعنات على أهم المقومات وأرسى الثوابت مستغلين بذلك انشغال العامة والخاصة .
وهم أشبه الناس بالمنافقين بل هم يقومون بدورهم في الأمة أكمل قيام .
أيها المسلمون: الحركة العلمانية في بلاد المسلمين ذات توجهين:
الأول: حركة علمانية إلحادية جاحدة بالرب منكرة لوجوده رافضة لكل تعاليم الإسلام في كل شيء وهذا القسم من الوضوح والظهور بحيث لا يخفى على أحد حكم أصحابها وقلة خطرهم لا لقلة جرم وإنحراف مقالتهم وتأثيرها وإنما لإنكشافهم ومعرفة الناس لهم بالإلحاد المطلق.
القسم الثاني: علمانية لا تنكر وجود اللَّه بل تؤمن به لكنها تنكر حكم الدين في شؤون الدنيا وتنادي بعزل الدين عن الدنيا وهذه هي الصورة أكثر انتشاراً وأشد خطراً وأسوأ أثراً من حيث الإضلال والتلبيس على عامة المسلمين ؛ لأنهم لا يرونهم يجحدون الصلاة ولا الزكاة ولا الحج بل ربما يرونهم يفعلون هذه العبادات معهم .
والحاصل أيها المسلمون: أن العلمانية بصورتيها السابقتين نوع من أنواع الردة بلا شك ولا إرتياب .
ومن آمن بها وتبناها بعدما علم دين الإسلام وتبين له الحق وقامت عليه الحجة وزالت عنه الموانع فقد خرج من دين الإسلام .. ذلك لأن الإسلام دين كامل ومنهج واضح لا يقبل ولا يجيز أن يشاركه منهج آخر ، قال تعالى مبيناً وجوب الدخول في كل مناهج الإسلام وتشريعاته: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً ) ) (البقرة: 208) .
وقال سبحانه مبيناً كفر من أخذ بعضاً من مناهج الإسلام ورفض الآخر: (( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ) (البقرة: 85) .
والأدلة الشرعية كثيرة جداً في بيان ضلال من أنكر شيئاً معلوماً بالضرورة من دين الإسلام .
أيها المسلمون: إن من أحد التحديات التي تواجه الإسلام الصحيح الذي هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا العصر هو إسقاط اللافتات الزائفة وكشف المقولات الغامضة وفضح الشعارات الملبِّسة التي تتخفى وراءها العلمانية والتي طالما أقصت المسلمين عن دينهم وخدرتهم عن العمل له وألصقتهم بالحياة الدنيا.
قال ابن تيمية في ( رسالة العبودية) : ( إن الإنسان على مفترق طريقين لا ثالث لهما: فإما أن يختار العبودية لله ، وإما أن يرفض هذه العبودية ، ليصبح لا محالة في عبودية لغير اللَّه وكل عبودية لغير اللَّه ، كبرت أو صغرت ، هي في نهايتها عبادة للشيطان ) . [1]
قال تعالى: (( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ . وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) ) ( يس: 60-61) ، يشمل ذلك العرب الذين قال اللَّه فيهم: (( إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً ) ) ( النساء: 117) .
ويشمل كذلك كل عبادة لغير اللَّه على مدار التاريخ .
فالأوثان لم تتغير، وحلت محل الأوثان القديمة أوثان أخرى، كالحزب، والقومية ، والعلمانية، والحرية الشخصية، والجنس وغيرها. وعشرات الأوثان الجديدة ، إنها عبادة الشيطان والطاغوت ، وهذا منافٍ لشهادة أن لا إله إلاَّ اللَّه ، فمعنى ( لا إله إلاَّ اللَّه ) : الكفر بالطاغوت ، والإيمان باللَّه .
وبناء على هذا يمكن أن نعرف حكم الإسلام في العلمانية ، فنقول: إن العلمانية نظام طاغوتي جاهلي كافر ، يتنافى ويتعارض تماماً مع ( لا إله إلاَّ اللَّه) من ناحتين أساسيتين متلازمتين:
أولاً: من ناحية كونها حكماً بغير ما أنزل اللَّه .
وثانياً: كونها رفضاً وكفراً ببعض ما جاء به الإسلام .