فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
و قال تعالى ( فآمنوا بالله و رسوله و النور الذي أنزلنا و الله بما تعملون خبير ) التغابن: 8 .و قال تعالى ( آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه و المؤمنون كل آمن بالله و ملائكته و كتبه و رسوله ) البقرة: 285 .و قال تعالى ( إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم ، و إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً و على ربهم يتوكلون [2] الذين يقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون [3] أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم و مغفرة و رزق كريم ) الأنفال: 2-4 .و قال تعالى ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قِبَلَ المشرق و المغرب و لكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتب و النبيين و آتى المال على حبه ذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل و السائلين و في الرقاب و أقام الصلاة و آتى الزكاة و الموفون بعهدهم إذا عاهدوا و الصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس أولئك الذين صدقوا و أولئك هم المتقون ) البقرة: 177 .و قال تعالى ( و من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان و لكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله و لهم عذاب عظيم ) النحل: 106 .و قال تعالى ( و ما كان الله ليضيع إيمانكم ) البقرة: 143 .و الآيات في هذا المعنى كثيرة .و في"الصحيحين"عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لوفد عبد القيس لما آتوا إليه ، قال ( من القوم ؟ أو من الوفد ؟ ) قالوا: ربيعة ، قال ( مرحباً بالقوم - أو بالوفد - غير خزايا و لا ندامى ) فقالوا: يا رسول الله ، إنما لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام ، و بيننا و بينك ه1ا الحي من كفار مضر ، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا ، و ندخل به الجنة ، و سألوه عن الأشربة فأمرهم بأربع ، و نهاهم عن أربع ، أمرهم بالإيمان بالله وحده ، قال ( أتردون ما الإيمان بالله وحده ؟ ) قالوا: الله و رسوله أعلم .قال ( شهادة أن لا إله إلا الله ، و أن محمداً رسول الله ، و إقام الصلاة ، و إيتاء الزكاة ، و صيام رمضان ، و أن تعطوا من المغنم الخمس ، و نهاهم عن أربع: عن الحنتم ، و الدباء ، و النقير ، و المزفت - و ربما قال: المقير - و قال( احفظوهن و أخبروا بهن من وراءكم ) .
و في"الصحيحين"عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ( الإيمان بضع و ستون شعبة و الحياء شعبة من الإيمان ) .
و في"الصحيحين"عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سُئل: أي العمل أفضل ؟ فقال ( إيمان بالله و رسوله ) ، قيل: ثم ماذا ؟ قال ( الجهاد في سبيل الله ) قيل: ثم ماذا ؟ قال ( حج مبرور ) .و في"صحيح مسلم"عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، و ذلك أضعف الإيمان ) .و قد استفاض عن أهئمة أهل السنة - مثل: مالك بن أنس ، و الأوزاعي ، و ابن جريج ، و سفيان الثوري ، وسفيان بن عيينة ، و وكيع بن الجراح ، وغيرهم الكثير - قولهم ( الإيمان قول و عمل ) .و أرادوا بالقول: قول القلب و اللسان ، و بالعمل: عمل القلب و الجوارح .قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"العقيدة الواسطية" ( ومن أصول أهل السنة و الجماعة أن الدين والإيمان قول و عمل ، قول القلب واللسان ، و عمل القلب ، واللسان ، والجوارح ) فظهر أن اسم الإيمان يشمل كل ما أمر الله به و رسوله من: الاعتقادات و الإرادات ، و أعمال القلوب ، وأقوال اللسان ، و أعمال الجوارح أفعالاً و تروكاً ، فيدخل في ذلك فعل الواجبات و المستحبات ، وترك المحرمات ، والمكروهات ، وإحلال الحلال ، و تحريم الحرام .و هذه الواجبات والمحرمات ، بل و المستحبات والمكروهات ، على درجات متفاوتة تفاوتاً كبيراً .
وبهذا يتبين أنه لا يصح إطلاق القول بأن العمل شرط صحة أو شرط كمال بل يحتاج إلى تفصيل ؛ فإن اسم العمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح ، و يشمل الفعل و الترك ، و يشمل الواجبات التي هي أصول الدين الخمسة ، وما دونها ، و يشمل ترك الشرك و الكفر و ما دونهما من الذنوب .
فأما ترك الشرك و أنواع الكفر والبراءة منها فهو شرط صحة لا يتحقق الإيمان إلا به .و أما ترك سائر الذنوب فهو شرط لكمال الإيمان الواجب .
وأما انقياد القلب - وهو إذعانه لمتابعة الرسول صلى الله عليه و سلم و ما لابد منه لذلك من عمل القلب كمحبة الله ورسوله ، و خوف الله و رجائه - و إقرار اللسان - و هو شهادة أن لا إله إلا الله ، و أن محمد رسول الله - فهو كذلك شرط صحة لا يحقق الإيمان بدونهما .وأما أركان الإسلام بعد الشهادتين فلم يتفق أهل السنة على أن شيئاً منها شرط لصحة الإيمان ؛ بمعنى أن تركه كفر ، بل اختلفوا في كفر من ترك شيئاً منها ، و إن كان أظهر و أعظم ما اختلفوا فيه الصلوات الخمس ، لأنها أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين ، و لما ورد في خصوصها مما يدل على كفر تارك الصلاة ؛ كحديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: ( بين الرجل و بين الشرك و الكفر ترك الصلاة ) أخرجه مسلم في صحيحه و غيره ، و حديث بريده بن الحصيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه نو سلم ( إن العهد الذي بيننا و بينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) أخرجه أصحاب السنن .
وأما سائر الواجبات بعد أركان الإسلام الخمسة فلا يختلف أهل السنة أن فعلها شرط لكمال إيمان العبد ، و تركها معصية لا تخرجه من الإيمان .
و ينبغي أن يعلم أن المراد بالشرط هنا معناه الأعم ، و هو ما تتوقف الحقيقة على وجوده سواء كان ركناً فيها أو خارجاً عنها ، فما قيل فيه هنا أنه شرط للإيمان هو من الإيمان .و هذا التفصيل كله على مذهب اهل السنة ، والجماعة فلا يكون من قال بعدكم كفر تارك الصلاة كسلاً أو غيرها من الأركان مرجئاً ، كما لا يكون القائل بكفره حرورياً .و إنما يكون الرجل من المرجئة بإخراج أعمال القلوب و الجوارح عن مسمى الإيمان فإن قال بوجوب الواجبات ، و تحريم المحرمات ، و ترتب العقوبات فهو قول مرجئة الفقهاء المعروف و هو الذي أنكره الأئمة ، و بينوا مخالفته لنصوص الكتاب و السنة .
و إن قال: لا يضر مع الإيمان ذنب ، و الإيمان هو المعرفة ، فهو قول غلاة المرجئة الجهمية و هم كفار عند السلف .
و بهذا يظهر الجواب عن مسألة العمل في الإيمان هل هو شرط صحة أو شرط كمال ، و مذهب المرجئة في ذلك و هذا و لا أعلم أحداً من الأئمة المتقدمين تكلم بهذا ، و إنما ورد في كلام بعض المتأخرين .
و بهذا التقسيم و التفصيل يتهيؤ الجواب عن سؤالين:
أحدهما: بم يدخل الكافر الأصلي في الإسلام ، و يثبت له حكمه ؟
والثاني: بم يخرج المسلم عن الإسلام ، بحيث يصير مرتداً ؟
فأما الجواب عن الأول:
فهو أن الكافر يدخل في الإسلام ، ويثبت له حكمه بالإقرار بالشهادتين ( شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ) فمن أقر بذلك بلسانه دون قلبه ثبت له حكم الإسلام ظاهراً ، و إن أقر بذلك ظاهراً و باطناً كان مسلماً على الحقيقة و معه أصل الإيمان ، إذ لا إسلام إلا بإيمان ، و لا إيمان إلا بإسلام .