الأول: اختلاف قام الدليل على تصويب أحد المذهبين ، فهذا القولُ الذي وافق الدليل هو الحق وما خالفه خطأ ، ولكن حيث كان المختلفون مجتهدين فكل منهما محمود ومأجور، - وإن كان أحد من المختلِفين أو المختلفَين أفضل من الآخر - فمن اجتهد وأصاب الحق فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد على حد قوله -صلى الله عليه وسلم-: (( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإن أخطأ فله أجر واحد ) ) [4]
يعني وخطؤهُ مغفور، لقوله سبحانه وتعالى: (( َلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ) ) (الأحزاب: من الآية5) .
وحينئذٍ فكل من المختلفين ، وإن كان القولان متضادين - محمود وكل منهما مأجور - وإنَّ كان الحقُّ مع أحدهما .
الثاني من اختلاف التضاد: اختلاف لا يتبين فيه الصواب، وليس هناك دليل يعتمدُ عليه لواحد من المذهبين، بل يكون منشأ القولين هو محض الاجتهاد ، فهذا الاختلاف الذي إذا لم يعارض دليلاً شرعياً، ولم يُبْن أحد القولين على دليلٍ يعيّن أنه هو الصواب، فيبقى القولان سائغين، وكل من المختلفين محمود عل اجتهادهِ مأجور، على اجتهاده والله أعلم بالصواب.
وبعد هذا العرض لتنوع الاختلاف، فيجبُ على المسلمِ أن يعتصم بحبل الله، فيتمسكُ بكتاب الله تعالى وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- في العلم وفي العمل، وفي الحكم بين الناس ، قال تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ) ) (النساء:58) .
وقال تعالى: (( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ) ) (الأنعام: من الآية152) .
فالواجب على المسلم أن يعتصم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن يعدل في حكمه وفي قوله ، فلا يتعصبُ لرأيهِ الشخصي، لا يتعصبُ لرأي إمامٍ ينتسبُ إليه، ولا يتعصبُ لرأي أحدٍ من الناس كائناً من كان ، بل عليه أن يعرضَ ما يبدو لهُ من آراء وما يردُ عليه من آراءٍ وأقوال الناس، يُعرضُ ذلك على كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- ، وهذا تطبيقٌ لقوله سبحانه: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) ) (النساء:59)
إذا فيجبُ على المختلفين أنفسهم أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- ، فإنَّ الردَّ إلى كتاب الله: هو الردُّ إلى القرآن ، والرد إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- يكون إليه في حياته ، وإلى سنته- صلى الله عليه وسلم- ، بعد وفاته .
وكتاب الله تعالى وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم- قائمان إلى أن يأتي أمر الله تبارك وتعالى ، وهما حجة الله على عباده ، يجب الرجوع إليهما عند التنازع ، قال الله تعالى: (( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) ) (الشورى:10) .
وهذا إنما يقدر عليه من له بصر بالكتاب والسنة وعلم بنصوصهما، وفهمٌ لدلالتهما ومن لو يتوفر له ذلك فعليه أن يرجع إلى من يثق بعلمه ودينه، فيقتدي به ويهتدي ببيانه ، قال الله تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) ) (الأنبياء:7) .
إذن الخلاف الذي بين أهل السنة والجماعة وغيرهم يجبُ أن يعلم المسلم أنَّ الحق بيّن ، فالحق هو ما درج عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان ، وهذه الفرق المخالفة معها حق وباطل ، فالواجب نحوها قبول ما معها من الحق ورد ما معها من الباطل، وقد أوضح ذلك العلماء، وهذا من تحقيق العدل والإنصاف أن تعترف لخصمك بما معه من الحق، وأن ترد ما معه من الباطل، فتنصفه حينئذ وألا تظلمه، ولا تحملهُ ما لا يستحق من الذم والبغض فضلاً عن العقاب، فإنَّ العدل واجب في كل الأحوال، فيجب العدل في الحكم بين المسلم والكافر ، وبين السني والمبتدع ، وبين المطيع والعاصي، بقبول الحق ممن أتى به إذا قامت براهينه واتضحت معالمه.
وكما ذكرت أن كل ما خالفت فيه فرق الأهواء أهل السنة والجماعة فقد عُلِم أنه باطل، فإنَّ هذه الفرق توافق أهل السنة في أشياء، فما وافقت فيه أهل السنة فهو حق مقبول ، وما خالفت فيه أهل السنة فهو مردود .
أما الخلاف الذي يكون بين أهل السنة في المسائل العملية فهو جار على ما ذكرت:
إما أن يكون اختلاف تنوع .
أو اختلاف تضاد ، وفي هذه الحال: إما أن يكون المصيب معلوماً لقيام الدليل على صحة قوله .
وإما أن لا يتوفر ذلك، وإذا كان هذا الاختلاف من النوع الذي يتبينُ فيه صواب أحد الفريقين، فإنَّ هذا هو الذي يقولُ فيه أهل العلم: إنَّهُ لا إنكار في مسائل الخلاف، فإنَّ من الخلاف ما يتبينُ فيه خطأ أحد القولين وصواب الآخر، وحينئذٍ ينكرُ الخطأ المخالف للدليل ويرد على صاحبه، وإن كان هو في نفسهِ معذوراً لأن المخالف للدليل والمخالف للحق من المجتهدين، قد يكون له عذر، بل هناك أعذار بيّنها أهل العلم كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه - في رسالته المشهورة: رفع الملام عن الأئمة الأعلام"ذكر أنَّ الإمام قد يخالفُ الدليل إما لكونه لم يبلغه أصلاً"
أو بلغه ولكن لم يثبت عنده، لأنَّه وصل إليه من طريقٍ ضعيف .
أو ظن معارضة دليل له، ظنهُ ناسخاً له مثلاً، فيكون معذوراً لما عرض له من هذه الأعذار [5]
فواجب المسلم أن يكون دائراً مع الحق، طالباً للحق، متحرياً للحق، متبعاً للهدى لا للهوى، لا يتعصب لفلان ولا فلان ، وإنما يؤتي المختلفون من أهل السنة مثلاً من تعصب بعضهم كما يجري بين المنتسبين للمذاهب الأربعة ، لا ضير في الانتساب إلى الأئمة والاقتداء بهم والاستنارة بأقوالهم والاستفادة من فهو مهم ، ولا بأس في ذلك بل هذا هو الذي ينبغي أن يستفيد اللاحق من السابق في فهمه ومن بيانه ولكن المذموم أن يتعصب التابع للمتبوع ، وأن يقلد القادر على الاستدلال، فيأخذ بقول العالم من غير أن يعرف حجته، مع قدرته على معرفة الدليل .
فالواجب هو إتباع الدليل ، واحترام العلماء ، والناس في العلماء ثلاثة أقسام:
* القسم الأول: فريق يستخفُ بالعلماء ولا يعرف لهم قدرتهم، ولا ينتفعُ بأقوالهم، ولا يستنيرُ بأفهامهم وبيانهم ، بل هو مغرورٌ بنفسه كما حصل ويحصل من بعض المنتسبين لطلب العلم، والمنتسبين مثلاً للأخذ بالدليل ، وهذا تفريط منهم وإفراط .
* القسم الثاني: فريق يغلو في العلماء ، فكل جماعة تتخذ لها إماماً لا تعرف إلاَّ أقواله، ولا تعتد بأقوال سواه، ولا تنظرُ في كتابٍ ولا سنة، وهذا إفراطٌ في تعظيم العلماء وتفريط فيما يجب من الاعتصام بالكتاب والسنة .