لكنْ نحن نتكلَّم عن قضية تُطْرَحُ: أنَّ المتغيرات المعاصرة تقْتَضِي كيفَ يَتَعَايَشُ أهل هذا الكون؟!..
نحنُ نقول: في المنهج الإسلاميِّ، وَمَعَ الإيمانِ بالأركانِ: كَيفَ نَعْبُدُ الله عز وجل وَنَدْعُوا إليه غيرَنَا؛ لِيَنْجُوَ منْ عَذَابِ الله يَومَ القِيَامة ..
وحتى في قضية الإيمانُ بالقَدَرِ كأَصْلِ لا يُمْكِنُ أنْ يتغيَّرَ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ، قد يقول قائل: إِنَّ المَسْأَلَةَ وَاضِحَةٌ بموضوع الإيمان بالقَدَرِ ..
فنقول: لا؛ ليست واضحة، هناك أناس مع تغير الأحوال في هذه الأيام ظَنُّوا أنَّ القَدَرَ بِيَدِ أمْرِيكَا، وَيَتَعَامَلُونَ معها على هذا الإيمان والتَّصْديقِ، نحن نقول لا هذا المتَغَيِّرُ لَا يَتَغَيَّرُ عنْدَنَا، أَيُّ شَخْصٍ مُسْلِمٍ عِنْدَهُ فَهُمٌ بَسِيطٌ لِعَقِيدَتِهِ بِصَفَاءٍ لَا يَمْشِي عَلَيهِ هَذَا المُتَغَيِّرُ، وَيُوقِنُ بِأَنَّ الله عز وجل هو مَالِكُ الملْكِ وهو مُقَدِّرُ الأقْدَارِ، وَيُؤْمِنُ بِمَرَاتِبِ القَدَرِ الأرْبَعَةِ، بَعْلَمُ الله وَكِتَابَتِهِ لمَا هوَ كائن، وَمَشِيئَتُهُ النَّافِذَة، وَأَنَّ الله عز وجل خَالِقُ كُلِّ شَيء فَلَا يَجْرِي فِي هَذَا الكَوْنِ إلاَّ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ سبحانه وتعالى، لَاحَظْتَ قَضَايَا المُتَغَيِّرَاتِ، وَإِشْكَالِيَّاتِهَا.
الثَّوابت وَالمتغيرات والشريعة الإسلامية:
بعض الناس يَظُنُّ أنَّ العقيدةَ ثابتة، والشَّريعة متغيِّرَة !!
وَيَقولون: الثَّوابت هي العقيدة، وكذا، وكذا...؛ لَكِنَّ الشَّرِيعَةَ مُتَغَيِّرَةٌ، والعَقِيدَة ثابتة، وَهَذَا خَطَأٌ؛ فالعَقِيدَة ثَابتة، وَالشَّريعة ثابتة .
مِنْ أَينَ جَاءَتْ شبْهَة من قَالَ أنَّ الشريعة مُتَغَيِّرَةٌ؟!
خِلَافَ العُلَمَاء مَاذَا يَقول هو؟ يقول أَنَّ العقيدة لا تتغير أي: أنَّ الإيمان بالله والملائكة لا تَتَغَيَّرُ لكنَّ الأحكام الشرعية تَتَغَير مع تغير الزمَان والمكَان؛ لِذَلكِ َيَخْتَلِفُ فيها العُلَمَاءُ، نَقول هذه المسْألة يجب الوقوفُ عندهَا؛ لأنَّ في ظَاهِرِهَا قد تَكُون صحيحة، إنمَّاَ الأحكام الشرعية لم يَزَلْ العلماءُ يَخْتَلِفُونَ في هذه المسائل، ومنْ ثمَّ يكون اختلافُهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أنَّ تغير الفَتْوَى كَمَا يقولونَ بتغير الزمَان والمكَانِ، لكنَّ الصحيح ماذا؟ الشريعة الإسلامية ثابتة، لِمَ؟ ?ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا? [الجاثية: 18] .
فَهَذِه آية تدُلُّ على وجوب اتِّبَاعِ الشريعة الاسلاميَّةِ، وَهي ثابتة لثبوتِ دَلَائِلِهَا: الكِتَاب والسنَّة، وَهُمَا ثَابِتَان لَا يَتَغَيَّرَان وَلِهَذَا فَإنَّ أي تَغَيُّرٍ لَابُدَّ أَنْ يَدُورَ حَولَ مِحْوَرِ الكتاب والسُّنَّة أي: يَصِحُّ أنَّ الشريعة غير ثَابتة لو كانَ في نَسْخ، وَطَبعًا لَا يُوجَدُ نَسْخٌ بَعْدَ خَتْمِ الرِّسَالَة وَكَمَالِهَا بِمُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فكَانتْ غَير ثَابِتَة، إذَا قُلْنَا قَبْلَ خمسمائة سَنَة كَانَ يَصْلُحُ للنَّاس الحكْمُ الشَّرْعِيُّ الفُلُانِيُّ الآن لَا يَصْلُحُ قَدْ يَحْتَاجُونَ للحُكْمِ الشَّرْعِيِّ المُضَادِّ له تَمَامًا، نَقُولُ هَذَا لَا يُوجَدُ في الشَّرِيعة الإسلاميَّة،كَيفَ؟!! انْظُرْ إلَى كَلَامِ العُلَمَاءِ مُنْذُ الصَّحَابة وإلَى اليَوم تَجِدُ أنَّ فتَاويهم لَا تَدُورُ حولَ حلْقَةٍ مُفَرَّغَهٍ بَلْ تَدُورُ حَولَ مِحْوَر وَاحِد،
مَا هو؟ نقول دَائمًا الرجُوعُ إلى دَلَائِلِ الكِتَابِ وَالسُّنّةِ إذًا الشَّرِيعَةُ ثابتةٌ، وَعَليه فإنَّ أيَّ قَولٍ أو أَيَّ فَتْوَى تُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ الإسْلَامِيَّةَ أَيْ يخالِفُ نَصَّ الكتَاب والسُّنَّةِ فَهْيَ مَرْفُوضَة ولا تقبل التغير مَهْمَا تَغَيَّرَ الزَّمَان، وَالمكَانُ ، فإنْ قَالَ قائل ولكنَّ العلمَاء يَجْتَهِدُونَ نقول نعم!! يَجْتَهِدُونَ، وَلَكِنْ ضِمْنَ دَلَائل الكتَاب، وَالسُّنَّةِ، وَهَذِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُدْرِكَهَا طَلَبَةُ العلْمِ لأنَّ بعْضَ النَّاس يُخْطِئُ فيها؛ وَيَظُنُّ أنَّ القول بأنَّ الشريعة الإسلاميَّة يخْتَلِفُ بها الفَتْوَى إذًا الشريعة قابلة للتغير، نَقُولُ لَا غير قابلة للتغير، وَلِهَذَا لو جَاءَ أَحَدٌ ليقُولَ لَنَا نحن في عَصْرٍ تَدَاخَلَ فيه الاقْتِصَادُ العَالَمِيُّ، وغيره فَيَنْبَغِي أَلَّا يكون الرِّبَا حَرَامًا، يُقْبَلُ هذا أمْ لَا يُقْبَلُ؟
لَا يُقْبَلُ!! لِمَاذَا؟! أَي أَنَّهُ تَتَغَيَّرُ الشَّرِيعَةُ معَ تغير الزَّمَان أَو تَتَغَيَّرُ الفَتْوَى مَعَ تَغَيُّر الزمان لأنَّ الرِّبَا مُرْتبطٌ بدَلَائلَ صَرِيحة من الكِتَابِ والسُّنَّةِ، نَعَمْ قَدْ يَخْتَلِفُ العُلَمَاءُ في هَذِهِ القضيَّة هلْ يَقَعُ فيهَا رِبًا، أَو لَا يَقَعُ فيهَا رِبًا هَل تَدْخُلُ في هَذِهِ الصُّورَة أوْ لَا تَدْخل، لكنْ أنْ يتغير الحكْمُ كلُّهُ بتغير الزَّمَان فإِنَّهُ لَا يمكِنُ أنْ يكونَ.
بماذَا يُفِيدُنَا هذَا الشَّيء؟!
يُفيدنَا أَنَّ الشَريعة الاسلاميَّة سَتَبْقَى؛ وَلِهَذَا أُعْطِيكُمْ أَمْثِلَةً في وَاقِعِنَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا غير قَابِلَة للتغير مَهْمَا كَانت الأمُورُ.
المثال الأول: الصَّلَوَاتُ الخمسُ نَظَرًا لأَنَّ أَدِلَّتَهَا وَاضِحَةٌ مَهْمَا اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ في تَفَاصِيل أحْكَامِ الصَّلاة إلا أنَّ الصلوات الخمس ثابتة بركَعَاتِهَا، بأوقَاتِهَا إلى يوم القيامة لا يمكن تغيرها بتغير الزمان والمكان.
يأتي شَخٌْص ليقول أنَّ الشريعة تتغيرُ، لماذا لا تَتَغيرُ الصلاة؟! هل يمكن أنْ يَأْتِي وضْع مُعَيَّن لأنْ يَقُولَ بَدَلَ الخمس صَلَوَات نجعلهُمْ صَلَاتين؟! أَو بَدَل أنْ تكون صلَاة الفجر في هذا الوقت تَكُون السَّاعة التاسعة؟ لا يمكنُ؛ فَهَذَا ثَابتٌ وفي أمر من أمُورِ الشَّرِيعَةِ.
وَمِثْلُهَا الصِّيَامُ شيء ثَابت لا يمكن تَغْيِيرُهُ، ومثلُهَا الحج، ومثلها الزَّكَاةُ، وَنَتَبَيَّنُ بهذا أنَّ هذه الأشياء ثَابِتَة وإِذَا قَال قَائل أنَّ هذه العبادَات مشهورَةٌ، نَقُولُ ننتقل لأحكام أخرى، الحدُودُ: تَحْرِيم الرِّبَا، تحريم الخمْرِ، تَحْرِيم القَذْفِ، الأحكام الشَّرعيَّةُ المتعلِّقَةُ بالمواريثِ: ميراثُ الأمِّ، ميراثُ الأخت، ميراثُ الجدَّة، مَا الحكْمُ فيها؟ الحكم فيها ثَابت لا يتغير بتغير الزمان والمكان، فتبينُ بِهَذَا أنَّ ثَبَاتَ الشَّريعة الإسلاميَّة إنَّمَا هوَ لثِبَاتِ المَصْدَرِ مَا الذي جَعَلَ قضية الصلاة والصِّيَامِ قضيَّةً ثَابِتَةً لَا تَقْبَلُ تَغَيُّرًا؟ هو قوَّة المصدر، وهو الكتاب والسُّنَّةُ غير قَابلة للتَّغَيُّرِ.
منْ هُنَا يَتَبَيَّنُ لدينَا حقيقة في منهج الإسْلَامِ، وَأَسَاسِيَّةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِقَضِيَّةِ الثوابت والمتغيرات أساسها أنَّ الشريعة الإسلامية بَينَهَا وَبَينَ العَقِيدَةَ الإسلاميَّة تَلَازُمٌ أَي: أَنَّ الأحكام عندنا لا تَنْفَصِلُ عن العقيدة، وَالمنْهج العَلْمَانِيُّ الآن يُكَافِحُ منْ خلال أكْبَرِ متغير يسْعَى إليه وهو الفَصْلُ وَجَعْلُ العَلْمَانِيَّةِ مَقْبُولة، وَجَعْلِ التَّدَيُّن، وَالاعْتِقَادِ خَاصٌّ بالإنْسَانِ.
نَحْنُ عِنْدَنَا قَضِيَّة منَ الحيَاة بِأَحكَامِهَا المختَلِفَة، مَا هِيَ قضيَّة يَصْلُحُ فيها مَجْلِسٌ يُغَيِّرُهَا وَيُبَدِّلُهَا.