فِي المنهج الإسلاميِّ هذه الأشْرِعَةُ، وَالأنْظِمَةُ مَرْبُوطَةٌ بِعَقيدَةٍ، وَبِأُصُول، فَلَا يمكِنُ أنْ يَأْتِي في يَوم منَ الأيام ويقَال: يَا أيهَا المسلمونَ منْ يُرِيدُ أنْ يُصْبِحَ مُتَدِيِّنًا؛ فَلْيُصْبِحْ مُتَدَيِّنًا، وَأَنَّ الإنسان عنده عقيدَةٌ ويؤمن بالله وَمَلَائكتِهِ، وبكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ جَزَاه الله خيرًا، والمعاملات الأخرى في حَيَاتِهِ هذه أمُورٌ هو يحكمُهَا بأنْظِمَة وبقضايَا أخْرَى هذا لَا يكُونُ في المنهج الإسلاميِّ ولهذا قضيَّة الثوابت والمتغيرات أكْبَرُ قضيَّةٍ تُطْرَحُ اليوم في السَّاحَةِ هِيَ أَنْ تَكُونَ العَلْمَانِيَّة مَقْبُولَة عنْدَ المسلمينَ أي فَصْل الدينِ عن الدولة أو فَصل الدولة عن الحيَاة، المنهج الإسلاميِّ لَا يَنْتَقِصُ، ولهذا الآن تُوجَدُ دَعَوَاتٌ صَرِيحَةٌ لِهَذَا المَنْهَجِ.
كَأَنْ يقول قَائِلٌ: الصَّلَاةُ، الزَّكَاةُ، الصِّيَامُ، الحجُّ، المواريثُ، اتَّفَقْنَا عَليه، لكنْ هُنَاكَ مَسَائل يُقَالُ عَنْهَا أنَّهَا تتغير بتغير الزمَان، والمكَانِ.
سَأَضْرِبُ بذلك مَثَلَينِ:
1 -أُصُولِيٌّ. 2 - فَرْعِيٌ.
المثال الأول ضَرَبتهُ لأنَّهُ يدورُ في هذه الأيَّام بشكل كبير هو أنَّ مَا يُطْرَحُ هذه الأيام وللأسف مِنَ التيَّارِ العلمَانِيِّ ويوَافِقُهُ أحيانًا التيارُ العصْرَانِيُّ وغيره ...
يقول: هذَا أَّنُه يَنْبَغِي لنَا من خِلَال المتغيرات أنْ نَأْخُذَ بالقَوَاطِعِ منَ الدينِ وَنَتْرُكَ مَا عَدَاهُ مثال: ما هو موجود في أصولِ الفقه من مسْأَلَة سَدِّ الذَرَائِعِ فبعضهم يأتي، ويقول: سَدُّ الذَرَائِعِ هذه قضيَّة أنتم ضَيَّقْتُمْ فيها على النَّاس وأكثرتم فيها الكلام وحرَّمْتُمْ ومَنَعْتُمْ إلى آخره...، إلى حَدِّ أنَّ بعضهم دَعَا إلى إلغَاءِ شيء اسمُهُ سَدُّ الذَرَائِعِ، لَمَّا تَنْظُرُ إلى المسْألة تقول أنَّ الإنسَان والله فِعْلًا سَدُّ الذَرَائِعِ كَأَنَّ الفقهَاءَ ذَهَبُوا لِيُشَدِّدُوا بِهِ عَلَى النَّاسِ وهذا ليس بِوَارِدٍ، وَالشَّرِيعَةُ سَهْلَةٌ (لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ) (1) شريعة الله ميَّسَّرَةٌ سهلةٌ.
إذًا هذا الكلام الذي يقولُهُ العُلَمَاءُ ليس من عندِهِم هذا الكلام جاءت أدِلَّتُهُ بالنصوص.
مِثَالٌ: مُنْبَثِقٌ من مَسْأَلَةِ سَدِّ الذَرَائِعِ، يَتَعَلَّقُ بالمرْأَةِ فيمَن يقول نحن لَدَينَا نَص في القرآن الكريم أنَّ العَلَاقَةَ بينَ الرجل والمرأة النص الصريح هو الزنا وأنَّ الزِّنَا حرَامٌ ونحن مُتَّفِقُونَ على ذلك .
ثم يقول هؤلاء: مَا دُمْنَا مُتَّفقين على الأصْل لكن لا تشْغَلُونا بسدِّ ذرائع هذا الأصْل كيف ؟ الاخْتِلَاط لا يجوز، سفَرُ المرأة بدون مَحْرم لا يجوز، كشْفُ المرأة وجهَهَا لا يجوز.
قالوا: هَذِه من الذَّرَائِعِ التي تُشَدِّدون فيها ويجب أنْ تتغير الأمور من خلال الضُّغُوطِ الدَوليَّة والظروف العالميَّة . . . . وإلخ.
فَيَجِبُ أنْ نَتَغَير فنحن في زمن المتغيرات، وفعلًا تطرح هذه القضية ثم تُطْرَحُ من المتغيرات، فيقال قضية سَدِّ الذَرَائع هذه ليسَتْ اخْتِرَاعًا اخْتَرَعَهُ أحدٌ من الناس سواء كان عالمًا من علماء الإسلام أو غيره، سدُّ الذرائع هذه مَنُْصوصٌ عَلَيهَا يَعني كَمَا جَاءَ النص في قول الله عز وجل: ?وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى ? [الإسراء: 32] وجَاءَ النص الصحيح عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ) (2) هذا نَصٌّ وهذا نَصٌّ، لماذا لا يخلون الرجل بإمرأة؟ مِن باب سدِّ الذَرَائع ، (وَلَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) (3) لماذا؟ نص عن النبي صلى الله عليه وسلم، إذاً الكبائر المتَعَلُّقَة بسدِّ الذريعة هي منصوص عليها وَيَقِيسُ العلماءُ عليها مَا هو مثْلهَا أَو أولى منْهَا، إنَّ هذه الشريعة الإسلامية شَرِيعة متكامِلَةٌ متناسِقَةٌ وعلى هذا حين جاءَنَا من هذا الطَرْحِ الذي يقول نَأْخُذُ بالقَاطِعِ ونَتْرك ما يؤدِّي إلى كَمَا يُقَال تشديدات أو غيرها تحت ما يُسَمَّى بسدِّ الذَّرَائع، نقول هذا كَلَام كَذِبٌ.
مثال: في باب الشِّركِ: يقولون أنْتُمْ فَرَّقْتُمْ بينَ النَّاس؛ بِنَاء القبور حَرَام، والسفر لزيارة القبور حَرَام!! والتَّبَرُّك بالقبور حرَام!! كُلُّ شيء حَرَامٌ..حَرَامٌ!! ولماذا قالوا سدَّ ذريعة الشرك هذا من عندكم، نقول كلاَّ حرَّمَ الله الشركَ وأيضًا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عَن ذَرَائِعِ الشِّرْكِ، نَهَى عَنِ الصَّلَاة في المقْبَرَةِ، نَهَى عنِ البِنَاءِ عَلَى القُبُور، نهَى عنْ اسْرَاجِهَا والمتَّخِذينَ عَلَيهَا المساجد، لماذا؟ سدُّ ذرائع الشرك لله عز وجل، فيتبينَ بهذا أنَّ هذه الشريعة كامِلَةٌ وليس بمنْ يَطْرَح في السَّاحَةِ الإسلامية فتح باب المتغيرات ما ينفع هذه الأمة ضِدُّ عدوهم، وإنَّمَا يفتَحُ ما يفتَحُ شهيَّة عدوِّهم عَلَيها الطرح العصْرَانِيَّ هذا الذي ذَكَرْنَا أمثلتَهُ قبلَ قَلِيل، هؤلاء يظُنُّونَ أنَّهُم يُعَالِجُونَ الوَضْعَ أمَامَ الهجْمَةِ فنقول كلَّا أنتم بهذه الطريقة الانهزاميَّةِ لا للإسَلام نَصَرْتم وَلَا للغَرْبِ كَسَرْتم؛ لأنَّ الغربَ إذَا رَأَى مِنَّا تَنَازلات فسيقول هانَ عليهم، دِينهم، عندهم قابِلِيَّةٌ للتَّنَازُلِ، ومن ثمَّ سَيُطَالبون بالتَّنَازُلِ أكثر فأكثر، وَكَمَا قال الله عز وجل:?وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ? [البقرة: 120] .
أعود إلى مثال جُزْئيٍّ كثيرًا ما يُطْرَحُ في باب المتغيرات في فَتَاوَي العلماء ويقولون تغير الفتوى مع تغيِر الزَّمَنِ هنا مَا الذي يتغير؟ هل الذي يتغير الحكمُ الشرعيُّ أَو الذي يَتَغَيَّر الواقعة؟
نعلم أَنَّ أَيَّ حُكْم شرعي لابُدَّ فيه للعالم والمفتي من شيئين:
1-العِلْمُ بالحكمِ الشَّرْعِيِّ.
2-العِلْمُ بالوَاقِعِ.
العلم بالحكْمِ الشَرْعيِّ إذا كان عالمًا مجتهدًا فَهَذَا كَمَا قُلْنَا قدْ يَجْتَهِدُ وقد يختلفُ العلماء منذُ السَّلفِ وهذِهِ ليسَتْ جَدِيدة، مَا عِنْدَنَا اليوم مسْألة جديدةٌ لَمْ نَتَكَلَّمْ عَنْهَا فيما سَبَقَ، إذًا مَا الذي يقع أحيانًا في تغير الفَتوى مع تَغَيُّر الزَّمَان وَالمكَانِ؟ هُوَ تغير الوَاقِعَة، الحكم الشَّرعيُّ لَا يَتَغَيَّرُ.
مثَالٌ: الكَلَام في الغِنَاءِ والمَعَازِفِ علَى قول أكْثَرِ العلماء أنَّه حَرَامٌ وهناك قَول أنَّهُ مبَاحٌ ولكنَّهُ مرجُوحٌ واضحُ الخِلَاف، متى كان هذا الاخْتِلَاف؟ قبل مئات السِّنين إذ لا يأتي شخص ويقول أنَّهُ اسْتَجَدَّ الخِلَاف هذا خلاف قديم، إذًا القول الراجح بأدِلَّتِهِ أنَّ الغناء والمعازف حرَام هذا القول الراجحُ، هل هذا الحكم يمكنُ أنْ يَتَغَيَّرَ؟
وَمِثَالٌ على علمائكمْ، ومشايخكمْ، الذين لا يَفْهَمُونَ، وَلَا يفْقَهون وأنَّهمْ يشَدِّدون ثم يتبينُ بعد ذلك الحق ويتراجَعُونَ: لَمَّا دَخَلَ الراديو قبل خمسين سنَة أَفْتَوا بِأَنَّ الرَّاديو حَرام ثم مَا مَضَى عُشرون سنة إلَّا والمَشَايِخُ يأتُونَ بالرَّاديو، يَعْنِي تَغَيَّرَتْ الفَتْوَى، كَانَ حرامًا ثم أصبح حَلَالًا.