فهرس الكتاب

الصفحة 8245 من 9994

نقول في الجواب على هَذَا: الفَتْوَى لَمْ تَتَغَيَّرْ، لَمْ يقُولوا المعازف حَلَال، والغناءَ حَلال ولَكَنَّ الذي تغير الرَّاديو، أوَّل مَا نَشَأَ قبل خمسين سنَة كَان الراديو يساوي الموسيقى لا يوجد به قرآنٌ، ولقد عَاشَرْنَا بِدَايَاتَهُ، فأي إنسان كان عنده راديو مَعْنَاه إنسان يسمع أغاني، من كان عنده رَاديو لا يسمع منه إلا الأغاني أي إذَاعة تبحثها ما فيها إلا أغاني حتى وإنْ كان فيه أخْبَار خمس دقائق ثمَّ يَتَّبعُهَا أَغَانِي، فَمَنَعُوا من ذلك بأنَّ هذا الراديو لا يستخدم إلا لِسَمَاعِ الأغاني، فلَمَّا تغير الأمرُ وصارت هذه الآلة يمكن أنْ نَسْتَخْدِمَ بِهَا إذَاعَةً سَلِيمَةً، وآلة التسجيل يمكن أنْ نُسَجِّلَ بهَا تسجيلًا سليمًا تَغَيَّرَتْ الفَتْوَى.

إذًا تَغَيَّرَ الحكمُ الشرعيُّ؟! أمْ تَغَيَّرَتِ الوَاقعة؟! بلْ تَغَيَّرَتِ الوَاقِعَةُ.

مثِاَل آخر - وكثيرًا ما يُدَنْدِنُ حَولَه بعض الكُتَّاب وأنا أضْرِبه حتى تَتَّضِحَ الصُّورَة- قَالوا: لَمَّا جَاءَ تَعْلِيمُ البَنَات كثيرٌ من المشايخ قالوا: حَرَامٌ! وَمَنَعوا من ذلك، ثم بعد ذلك تَغَيَّرَتْ فَتْوَاهم وصاروا يُدْخِلُونَ بَنَاتهم في مدارس البَنَات والحقيقة ليست الصورة هكذا، لَمَّا جاءت بدايات قرارِ إنشَاء تَعْليم البَنَاتِ لَمْ يكُنْ بالعالم العربيِّ إلا تعليم مختلط مُدَبْلَجٌ، لَمْ يكُنْ عندنا في القرى إلا تعليم في البيوت عَجَائز يعلمنَ النِّسَاء بالبيت أحيانًا الخط، والكتابة، وَأَحيانًا آيات من القرآن الكريم هذا النوع الذي كان موجودًا آنذاك.

وَكَانَ في البحرين والكويت، وَمِصرَ وغيرها متَبَرِّجَاتٌ؛ وَلِذَلِكَ العلَمَاءُ وَقَفُوا، وَقَالوا: لَا يمكنُ وَشَدَّوا في ذَلِكَ وَفَّقَهُمُ الله فَكَانَ مِنْ بَرَكَاتِ هَذَا الشَدِّ أنَّه فُتِحَتِ المدارس بأقصى ما يكون من الشروط والبيوت التي ما زال إلى الآن نُشَاهد والحمد لله أَثَرَهَا الطيبَ.

فلمَّا تَبَيَّنَ أنَّ هناكَ تَعليمٌ منضبطٌ لا يكون فيه مِثْل تلك الفَوضَى الموجُودة في البلاد إذًا المشايخ رَأَوا أنَّ الأمر قد يكون صَائغًا، إذًا ما الذي تغير؟

الذي مَنَعُوا منه في البداية هو صور التَّعليم المخْتَلِطِ وَلَا يَزَالُ إلى الآن صور التعليم المختلط إلى الآن مرفوضَةً، وما قَام به طلبة العلم وغيرهم من الوقوف أمام الدَّمْجِ؛ خَوفًا من التعليم المخْتَلِطِ حيثُ لا يُهِمُّهُمُ الميزانِيَّاتُ أو المباني أو غير ذلك، كلُّ هذه الأمور لَا تُسَاوي عنْدَ المشَايخ قُلَامة ظُفْرٍ، لكنَّ الذي كان يقلقُهُمْ هو أنَّ هذا التغير وهذا الدَّمْج يؤدي إلى ما كان يحلم به كثير من العلمانيينَ، يجلس الطالب جَنْبَ الفَتَاة.

ضَوَابِط المُتَغَيرَات

وعلى هذا يَتبَيَّنُ لدينا أنَّ هذه المتغيراتُ عنْدَنَا تُضْبَطُ بِضَابِطَينِ دَقِيقَينِ أَعْنِي بِهِمَا الأحكام الشَّرْعيَّ:

أولًا: مَصْدَرِيَّةُ الكتاب والسُّنَّة هذه دائمًا كالشمس، والقَمَر فوق رؤوسنا لا يمكن أنْ نَتَخَلَّى عنهُمَا، يعني: أَيَّ حكم أو أي قضِيَّة شرعية مَرَدُّهَا الكتاب والسُّنَّة.

الثاني: أنْ يكون الاجتهاد القائم على مثل هذه المسْتَجَدَّات قائم على منهج صحيح هو منهج الأخذِ بالدليل والترجيح بالمرجَّحَات الصحيحة وليست الفوضى التي يراد فيها من كل قَول شاذٍّ أو غيره أنْ يتَحَول إلى حكم شرعي يُفْرَض على الأمة ولو كان مخالفًا لدليل من كتاب أو سنَّة، إذا وُجِدَ فأيُّ مسْألة مستجِدَّة لَا يُوجَدُ أي إشْكَال فالأمة الإسلاميَّة حتى لو كان بتقسيم بعض المجامع العلميَّة أو غيرها فإنَّه من الممكن أنْ يَتَدَارَكَهَا هذا النقص، حيث أَنَّهُ لَا يوجَدُ أي مشْكلة في أنْ يَلْتقي العلماء في أي مسألة تسْتَجِدُّ وينْظُرُونَ فيها من خِلَال واقِعِهَا، من خلال معلومَات المتخصصين فيها سواء كانت طبية أو تقنية أو غيرها ، لكنَّ طَرْحَ المتغيراتِ بهذه الصُّورَة التي يبحثُ عندَ كل شُذُوذ وكل قول ليس عليه أي دلِيل وكل فتْوَى مخالفه لدليِل صريح لتجعل هي التي تَسُود، نقول: كَلَّا، هَذَا في المنهج الإسلامي غير مقْبول وإنْ كُنَّا نَرْفُضُ العلمانيَّة وهذا واضحٌ جدًّا؛ لأنَّهُ عندنا لا انفكَاكَ بين الشريعة والعقيدة وأصولهما فكذلك أيضًا يجب أنْ ترفُضَ هذه الفوضى في الفتاوى.

وأختم بأنَّ الله عز وجل أمَرَنَا باتِّبَاعِ سَبِيلِهِ وَالسَّير عَلَى هذا الطَّريق: ?وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ? [الأنعام: 153] ، ونبينا صلى الله عليه وسلم لَمَّا أخْبَرَ عن الافْتِرَاق والاخْتِلَافَ وهو أعْظَمُ المتغيرات، يعني وُجُود الرَّافِضَة والقَدَرِيَّة والجهمِيَّة، وَالصُّوفية وغيرهم من أهل البِدَع أعظم من وجود صنَاعات اليوم أعظم، الرَّسول صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَخْبرنا عنْ أعْظَمِ المتغيرات في تاريخ هذه الأمة وهي متغيرات الفِرَق قال- صلى الله عليه وسلم: (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ) (4) إذاً الأمة مأمورة بالسير على منهاج نبينا صلى الله عليه وسلم مهما تغير الزمان والمكان، فَنَحنُ كَمَا أنَّ الطيَّار والطبيب والمهَنْدِسُ الذي دَرَسَ في أَرْقَي الجَامِعَات الغَرْبِيَّة، كَمَا أَنَّهُ في تَخَصُّصُهِ الدَّقيقِ العِلْمي الحديث هو نفسه ما يَتَخَلَّى عَنْ صَلَاتِهِ وَلَا عَنْ صِيَامِهِ فكذلك أيضًا بالنسبة لمجمَلِ هَذِهِ الأمَّة، يُمْكِنُ لَهَا أنْ تَتَقَدَّمَ، وَتَتَطَوَّرَ وَلَا تَتَخَلَّى عَنْ دَعْوَتِهَا إلى الكتاب والسُّنَّة.

أختمُ بأنَّ البَعْضَ يقول في الدَّعوة إلى منهج السَّلَفِ هذه قديمة انتهت وتغيرت ندعو لمنهج السَّلَف وطريقة السَّلَف فنقول احْذَرُوا من هذه الدَّعوة، احْذَرُوا من هذه الدعوة أشَدَّ الحَذَرِ، منهج السلف طريقَةُ السَّلَفِ التي أَمَرَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم بِالسَّيرِ عَلَى مِنْهَاجَهِمْ (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) (5) هذا أصلٌ باقٍ إلى قيام السَّاعة، هَلْ يَتَعَارَضُ مَعَ تَقَدُّمنا؟ هَل يَتَعَارضُ مع عُلُومِنَا؟!!

لَا والله لَا يتَعَارَضُ، هل إيمَانُكَ بالأسماء والصفات وتعظيمك لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يَتَعارَضُ معَ كونكَ متقدمًا وَخَبيرًا بالكُمْبيوتر؟

لذَلك هذه الخُزَعْبَلَات ونحو ذلك يَجِبُ ألَّا يَخْطرَ بِبَالِ طَالِبِ العلْمِ، مصْدَرِية الكِتَاب والسُّنَّة باقية إلى قيام الساعة، الرُّجُوع إليهما عند الاخْتِلَاف إلى أنْ يَرِثَ الله الأرضَ وَمَا عَلَيهَا، عقيدة السلف الصالح الذي يَنْبَغِي أَنْ نَدْعُوا إلَيهَا وأَنْ نَتَمَسَّكَ بِهَا باقية مَهْمَا تَغَيَّر الزَّمَان والمكان، المنهَجُ الصَّحيحُ بِطَريقَةِ الاسْتِدْلَالِ، وَالفَتَاوَى وَالتَّرْجِيحِ باقية لَمْ تَتَغَيَّرْ أَبَدًا.

أَسْأَلُ الله عز وجل أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكُمْ، وَصَلَّى الله، وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلهِ، وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ .

المراجع:

المحتويات

موضوع صفحة

مقدمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت