فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فلا يزال المنافقون في الأرض، ولا يزال في المؤمنين سماعون لهم لجهلهم بحقيقة أمرهم، وعدم معرفتهم بغور كلامهم.
وهؤلاء المنافقون قوم أظهروا الإسلامَ ومتابعةَ الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداةَ الله ورسله.
وبليةُ المسلمين بهم أعظمُ من بليتهم بالكفار المجاهرين، ولهذا قال تعالى في حقهم: {هم العدو فاحذرهم} وهذا لايعني أنه ليس للمسلمين عدو سواهم ولكن معناه أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدوا من الكفار المجاهرين، وأنهم الأولى والأحق بالعداء والحذر، وحتى لا يتوهم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرا، وموالاتهم لهم ومخالطتهم إياهم أنهم ليسوا بأعدائهم، بل هم أحق بالعداوة ممن ابتعد في الدار ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها.
فإن ضرر هؤلاء المخالطين لهم، المعاشرين لهم، وهم في الباطن على خلاف دينهم أشدُّ عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة.
لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أياما ثم تنقضي ويعقبها النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحا ومساءا، يدلّون العدو على عوراتهم ويتربصون بهم الدوائر ولا يمكنهم مفارقتهم، فهم أحق بالعداوة من البعيد المجاهر فلهذا قيل: {هم العدو فاحذرهم} .
ومن رحمة الله سبحانه بعباده أن جعل للمنافقين صفاتٍ تُعين على كشف مكرهم ومكائدهم ومعرفة حالهم وإن صلوا وصاموا..
فقد جلا الله أمرهم في القرآن وأوضح أوصافهم، وبين أحوالهم، وكرر ذكرَهم لشدةِ المؤنة على الأمة بهم، وعظمِ البلية عليهم بوجودهم بين أظهرهم، وفرطِ حاجتهم إلى معرفتهم، والتحرزِ من مشابهتهم والإصغاءِ إليهم.
فكم قطعوا على السالكين إلى الله طرقَ الهدى، وسلكوا بهم سبلَ الردى.
وعدُوهم ومنوهم، ولكن وعدوهم الغرور، ومنوهم الويل والثبور، فكم من قتيلٍ ولكن في سبيل الشيطان، وسليبٍ ولكن للباس التقوى والإيمان، وأسيرٍ لا يرجى له الخلاص، وفار من الله لا إليه.
صحبتهم توجب العار، ومودتهم تحل غضب الجبار وتوجب دخولَ النار.
من علقت به كلاليبهم مزقت منه ثياب الدين والإيمان، وأحلت به البلاءَ والخذلان، فقام يسحب من الحرمان والشقاء أذيال، ويمشي على عقبيه متراجعا.
وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر، وذلك لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدةٌ جداً، لأنهم منسوبون إليه وإلى موالاته وهم أعداؤه في الحقيقة.
يُخرجون عداوته في قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد.
فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن له قلعوا أساسه وخربوه، وكم من علم له قد طمسوه، وكم من لواء له مرفوعٍ قد وضعوه، وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوه، وكم عمَّوا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها.
فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سريةٌ بعد سرية، ويزعمون أنهم بذلك مصلحون {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون} .
اتفقوا على مفارقة الوحي فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون {وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} .
محيت معالم الإيمان في قلوبهم، فلم يقبلوا هدى الله الذي أرسل به رسوله ولم يرفعوا به رأساً، ولم يروا بأسا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم.
لبسوا ثياب أهل الإيمان على قلوب أهل الزيغ والغل والكفران.
فألسنتهم ألسنةُ المسالمين، وقلوبهم قلوبُ المحاربين ويقولون {آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين} ، رأسُ مالهم الخديعة والمكر، وبضاعتهم الكذب والغدر.
قد نهكت أمراض الشبهات والشهوات قلوبَهم، وغلبت القصود السيئة على نياتِهم فأفسدتها.
ففسادهم قد ترامى إلى الهلاك فعجز عنه الأطباء العارفون {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} .
مَن علقت مخالبُ شكوكهم بإيمانه مزقته كل تمزيق، ومن تعلق شررُ فتنتهم بقلبه ألقاه في عذاب الحريق، ومن دخلت شبهات تلبيسهم في مسامعه حال بين قلبه وبين التصديق.
ففسادهم في الأرض كثير، وأكثر الناس عنه غافلون {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} .
المتمسك عندهم بالكتاب والسنة مبخوس حظه، وبضاعة تاجر الوحي لديهم كاسدة.
وأهل الاتباع عندهم سفهاء فهم في خلواتهم ومجالسهم بهم يتطيرون {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون} .
لكل منهم وجهان: وجهٌ يلقى به المؤمنين، ووجهٌ ينقلب به إلى إخوانه من الملحدين، وله لسانان أحدهما: يقبله به المسلمون، والآخر يترجم به عن سره المكنون، {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون} .
قد أعرضوا عن الكتاب والسنة استهزاء بأهلهما واستحقاراً، وأبوا أن ينقادوا لحكم الوحيين فرحا بما عندهم واستكباراً، فتراهم أبدا بالمتمسكين بصريح الوحي يستهزئون {الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون} .
خرجوا في طلب التجارة البائرة في بحار الظلمات، فركبوا مراكب الشبه والشكوك تجري بهم في موج الخيالات، فلعبت بسفنهم الرياح العاصفة فألقتها بين سفن الهالكين {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} .
واعلموا أنه كلما انقرض منهم طوائف خلفهم أمثالهم، فذكر الله سبحانه وتعالى أوصافَهم لأوليائه وبينها لهم ليكونوا منها على حذر.
أسروا سرائر النفاق فأظهرها الله على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم، ووسمهم بسمات لا يخفون بها على أهل البصائر والإيمان، وظنوا أنهم إذ كتموا كفرهم وأظهروا إيمانهم راجوا على العقلاء وأهل البصيرة، كيف وقد كشف الله حالهم؟؟!! {أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم} .
والله ذمهم غاية الذم وكشف عوراتهم، وقبحهم وفضحهم وأخبر أنهم هم السفهاء المفسدون في الأرض، المخادعون المستهزئون المغبونون في اشترائهم الضلالةَ بالهدى، وأنهم صم بكم عمي فهم لا يرجعون، وأنهم مرضى القلوب، وأن الله يزيدهم مرضا إلى مرضهم، فلم يدَع ذماً ولا عيبا إلا ذمهم به، وهذا يدل على شدة مقته سبحانه لهم وبغضِه إياهم وعداوتِه لهم، وأنهم أبغضُ أعدائه إليه، فظهرت حكمته الباهرة في تخصيص هذه الطبقة بالدرك الأسفل من النار... نعوذ بالله من مثل حالهم ونسأله معافاتِه ورحمتَه.
وإنما كانت هذه الطبقة في الدرك الأسفل لغلظِ كفرهم، فإنهم خالطوا المسلمين وعاشروهم وباشروا من أعلام الرسالة وشواهد الإيمان ما لم يباشره البعداء ووصل إليهم من معرفته وصحته ما لم يصل إلى المنابذين بالعداوة، فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم كانوا أغلظَ كفرا وأخبثَ قلوبا وأشدَّ عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين من البعداء عنهم.