فهرس الكتاب

الصفحة 8356 من 9994

ومن تأمل في هؤلاء المنافقين.. رأى صدق ما وصَفَهم اللهُ به.. من وصف قلوبهم بالمرض وهو مرض الشبهات والشكوك، ووصفَهم بالإفساد في الأرض، وبالاستهزاءِ بدينه وبعباده، وبالطغيان واشتراء الضلالة بالهدى، والحيرة والكسل عند عبادته وقلة ذكره، وبغاية الجبن وبعدم الفقه في الدين وبعدم العلم، وبالبخل وبعدم الإيمان بالله وباليوم الآخر، وبأنهم مضرةٌ على المؤمنين ولا يحصل لهم بنصيحتهم إلا الشر، و الإسراعُ بينهم بالشر وإلقاء الفتنة، وكراهتُهم لظهور أمر الله، ومحوُ الحقُ، وأنهم يحزنون بما يحصل للمؤمنين من الخير والنصر، ويفرحون بما يحصل لهم من المحنة والابتلاء، وأنهم يتربصون بالمسلمين الدوائر، وبعيب المؤمنين ورميِهم بما ليس فيهم..، وأنهم عبيد الدنيا إن أُعطوا منها رضوا، وإن مُنعوا سخطوا، وبأنهم يؤذون رسول الله وينسبونه إلى ما برأه اللهُ منه، ويعيبونه بما هو من كماله وفضله، وأنهم يقصدون إرضاء المخلوقين ولا يطلبون إرضاءَ رب العالمين، وأنهم يسخرون من المؤمنين، وأنهم يتحيلون على تعطيل فرائض الله بأنواع الحيل، وأنهم مطبوع على قلوبهم وأنهم أحلف الناس بالله كذبا قد اتخذوا أيمانهم وقاية تقيهم من إنكار المسلمين عليهم، ووصفَهم بأنهم رجس، والرجس من كل جنس أخبثُه وأقذرُه فهم أخبث بني آدم وأقذرهم وأرذلهم، وبأنهم فاسقون، وبأنهم مضرة على أهل الإيمان.. يقصدون التفريق بينهم ويؤوون من حاربهم وحارب اللهَ ورسوله، وأنهم يتشبهون بالمسلمين في أعمالهم ليتوصلوا منها إلى الإضرار بهم وتفريق كلمتهم، وهذا شأن المنافقين أبداً، وأنهم يتربصون بالمسلمين دوائر السوء وهذه عادتهم في كل زمان، وأنهم أحسن الناس أجساما تعجب الرائي أجسامَهم ويعجب السامعَ منطقَهم، فإذا جاوزْت أجسامَهم وقولهم رأيت خُشبا مسندة.. لا إيمانَ ولا فقهَ ولا علمَ ولا صدقَ بل خشبٌ قد كُسيت كسوةً تروق الناظرَ وليس وراء ذلك شيء.

ووصفهم سبحانه بالاستهزاء به وبآياته وبرسوله، وبأنهم مجرمون، وبأنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، وأنهم يتولون الكفار ويدَعون المؤمنين، وبأنهم يتمنون ما يشق على المؤمنين، وأن البغضاء للمسلمين تبدو من أفواههم وعلى فلتات ألسنتهم وبأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.

ومن صفاتهم التي وصفهم الله بها الشحُّ على المؤمنين بالخير، والجبنُ عند الخوف، فإذا ذهب الخوف وجاء الأمن سلقوا المؤمنين بألسنة حداد فهم أحدّ الناس ألسنة عليهم كما قيل:

جهلا علينا وجبنا من عدوّكمو لبئستِ الخَلّتان الجهلُ والجبنُ

وأنهم عند المخاوف تظهر كمائنُ صدورِهم ومخبآتهُ، وأما عند الأمن فيجب ستره، فإذا لحق المسلمين خوف دبت عقارب قلوِبهم وظهرت المخبآتُ وبدت الأسرارُ.

ومن صفاتهم أنهم أعذبُ الناس ألسنةً وأمرُّهم قلوباً، وأعظم الناس مخالفة بين أعمالهم وأقوالهم.

ومن صفاتهم أنهم لا يجتمع فيهم حسنُ صمت وفقهٌ في دين أبدا.

ومن صفاتهم أن أعمالهم تكذِّب أقوالهَم، وباطنَهم يكذب ظاهرَهم، وسرائرَهم تناقض علانيتَهم.

ومن صفاتهم أن المؤمن لا يثق بهم في شيء، فإنهم قد أعدوا لكل أمر مخرجاً منه.. بحق أو بباطل.. بصدق أو بكذب، فالمسلم منهم كقابض على الماء ليس معه منه شيء.

ومن صفاتهم كثرةُ التلون وسرعةُ التقلب وعدمُ الثبات على حالٍ واحد، بينا تراه على حال تعجبُك من دينٍ أو عبادٍة أو هدىً أو صدقٍ، إذ انقلب إلى ضد ذلك.

ومن صفاتهم معارضةُ ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بعقول الرجال وآرائِهم ثم تقديمُها على ما جاء به، فهم معرضون عنه معارضون له زاعمون أن الهدى في آراءِ الرجال وعقولهِم دون ما جاء به.

ومن صفاتهم كتمانُ الحق، والتلبيسُ على أهله ورميُهم بأدوائهم... فيرمونهم إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ودَعوا إلى الله ورسوله بأنهم أهلُ فتنٍ مفسدون في الأرض، وقد علم الله ورسوله والمؤمنون بأنهم هم أهل الفتن المفسدون في الأرض.

وإذا دعاهم ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى كتاب الله وسنة رسوله خالصةً غيرَ مشوبةٍ رموهم بالبدع والضلال، وإذا رأوهم زاهدين في الدنيا راغبين في الآخرة متمسكين بطاعة الله ورسوله رموهم بالزور والتلبيس والمحال.

وإذا رأوا معهم حقا ألبسوه لباس الباطل وأخرجوه لضعفاء العقول في قالب شنيع لينفروهم عنه، وإذا كان معهم باطل ألبسوه لباس الحق وأخرجوه في قالبه ليقبل منهم.

وجملة أمرهم أنهم في المسلمين كالزغل في النقود يروج على أكثر الناس لعدم بصيرتهم بالنقد ويعرف حاله الناقد البصير من الناس وقليل ما هم، وليس على الأديان أضرُّ من هذا الضرب من الناس وإنما تفسُد الأديانُ من قبلهم.

كما أن هؤلاء المنافقين ذهب نور إيمانهم بالنفاق، وبقيت في قلوبهم حرارة الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبهم قد صَليت بحرها وأذاها وسمومها ووهجها في الدنيا، فأصلاها الله تعالى إياها يوم القيامة نارا موقدة تطلع على الأفئدة.

فهذا مثل من لم يصحبه نور الإيمان في الدنيا بل خرج منه وفارقه بعد أن استضاء به وهو حال المنافق.. عرف ثم أنكر، وأقر ثم جحد، فهو في ظلمات أصم أبكم أعمى.

ومن صفاتهم.. أنهم إذا عاهدوا لم يفوا وإن وعدوا أخلفوا وإن قالوا لم ينصفوا وإن دُعوا إلى الطاعة وقفوا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صدوا وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها.

اختاروا لأنفسهم الهوان والخزي والخسران.. فلا يوثق بعهودهم ولا يُطمأن إلى وعودهم فهم كاذبون.

فعلى المسلم البصير أن يعرف صفاتَهم، فإذا عرفها حذرهم حتى لا يلبسوا عليه دينه ويلقونه في أهوية النفاق، فتعز عليه يومئذ النجاة.

نسأل الله أن يكفي المسلمين شرورهم، وأن يرد كيدهم في نحرهم، وأن يجعل تدبيرهم تدميرا لهم.

وإن مما دعا لهذه الكلمات ما نلاحظه من الحملة الشرسة والعداء السافر والهجوم الشنيع على تعاليم ديننا العظيم من قبل بعض العلمانيين المنافقين الذين أُفسح لهم المجال في الإعلام، فبدأوا يرفعون رايات النفاق والزندقة بالهجوم على تعاليم القرآن والسنة، لا يصدهم عن ذلك خوفٌ من الخالق ولا حياءٌ من المخلوق.

ففي كل يوم يظهرون بشبهة جديدة وطعنة غادرة، والمصيبة أن هؤلاء المنافقين كأسلافهم الأول يجدون من يسمع لهم.

وقد أوتي بعضُهم بلاغةً في المنطق وتلبيساتٍ شيطانية تنطلي على من ضعف دينه وتزعزع يقينه، وصدق في هذا الصنف وأمثاِلهم قولُه صلى الله عليه وسلم:"أخوف ما أخاف على أمتي منافقٌ عليم اللسان".

مع ما يزيد بعضَهم قوةً في نشر مذهبه كونُه من بعض العائلات العريقة أو القبائل التي لا يُتصورُ أن يَدخل عليها هذا الفكرُ الخبيث.."ولكن من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه"كما صح بذلك الحديثُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

على أن من تأمل حالهم علم نفاقهم وازدادت بصيرته بهم وعلم أن أعظم الجهاد إعلانُ الحرب عليهم وردُّ شبههم.

فهم لا يرفعون بالدين رأسا ولا يريدون له قياماً، بل كلما حلت فتنةٌ في الإسلام فإذا بهم يركضون فرحين يستبشرون فيما بينهم، وإذا بهم يشهرون سيوفهم ويهزون رماحهم بغية الحصول على مطلوبهم.. ولكن خابوا وخسروا.. وبئس ما قصدوا {ويأبى الله إلا أن يتم نورَه ولو كره الكافرون} .

ومما يخفون به نفاقهم أن بعضهم يصلون في المساجد وهم أعداءُ الله ورسوله على الحقيقة..، كلما قامت للدين قائمة فإذا بهم ينافحون دون ذلك، وإذا بهم يحاربونه ويلفقون حوله التهم الشيطانية التي ارتضعوها من فكر إبليس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت