فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المقدمة:
الحمد لله فاطر السماوات والأرض، جاعل الملائكة رسلًا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له أمرنا بإزالة المنكر.. فقال: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (آل عمران:104) ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير من أزال المنكر بيده, وبلسانه, وبقلبه، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، الذين جاهدوا لإزالة المنكر, فضحوا بأنفسهم, وأموالهم, وأهليهم، وعلى التابعين, وتابعيهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل عظيم من أصول الإسلام، ولا شك أن صلاح العباد في معاشهم ومعادهم متوقف على طاعة الله- عز وجل- وطاعة رسوله- صلى الله عليه وسلم-، وتمام الطاعة متوقف على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس ، قال-تعالى-: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } (آل عمران:110)
نص الحديث:
عَنْ أبي سَعيدٍ الخُدريَّ-رَضي الله عنه-قالَ: سَمِعْتُ رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يَقولُ: (مَنْ رَأَى مِنكُم مُنكَرًا فَليُغيَِرُه بيدِهِ، فإنْ لَمْ يَستَطِع فبِلسَانِهِ، فإنْ لَمْ يَستَطِعْ فَبِقلْبِهِ، وذلك أضْعَفُ الإيمانِ) (1) .
مفردات الحديث:
"منكم": أي من المسلمين المكلَّفين، فهو خطاب لجميع الأمة.
"منكرًا": وهو ترك واجب, أو فعل حرام ولو كان صغيرًا.
"فليغيره": فليزله ويذهبه ويغيره إلى طاعة.
"بيده": إن توقف تغييره عليها ككسر آلات اللهو, وإراقة الخمر, ومنع ظالم عن ضرب ونحوه (2) .
أهمية هذا الحديث:
هذا الحديث عظيم الشأن؛ لأنه نص على وجوب إنكار المنكر، وهذا كما قال النووي:"باب عظيم به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث، عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله بعذاب { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (النور: من الآية63) فينبغي لطالب الآخرة الساعي في تحصيل رضا الله- عز وجل- أن يعتني بهذا الباب فإن نفعه عظيم" (3)
في ظلال الحديث:
إن الحق والباطل مقترنان على وجه الأرض منذ وجود البشر، وكلما خمدت جذور الإيمان في النفوس بعث الله-عز وجل-من يزكيها ويؤججها، وهيأ للحق رجالًا ينهضون به, وينافحون عنه، فيبقى أهل الباطل والضلال خانعين، فإذا سنحت لهم فرصة نشطوا ليعيثوا في الأرض الفساد، وعندها تصبح المهمة شاقة على من خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، ليقفوا في وجه الشر يصفعونه بالفعل والقول، وسخط النفس ومقت القلب.
فعن ابن مسعود-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته, ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) (4) .
فائدة:
سبب إيراد أبي سعيد للحديث: عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم-يقول ثم ذكر الحديث (5) .
وفي رواية البخاري أن الذي أنكر على مروان أبو سعيد-رضي الله عنه-فقال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي, فجبذته بثوبه فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة, فقلت له غيرتم والله, فقال: أبا سعيد، قد ذهب ما تعلم. فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم. فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة (6) والجمع بين الروايتين يحتمل أن الرجل أنكر بلسانه وحاول أبو سعيد أن ينكر بيده, ويحتمل تعدد الواقعة, قال النووي:"فيحتمل أنهما قصتان؛أحداهما لأبي سعيد,والأخرى للرجل بحضرة أبي سعيد" (7) .
وقال الحافظ:"يحتمل أن تكون القصة تعددت، ويدل على ذلك المغايرة الواقعة بين روايتي عياض ورجاء, ففي رواية عياض أن المنبر بني بالمصلى، وفي رواية رجاء أن مروان أخرج المنبر معه، فلعل مروان لما أنكروا عليه إخراج المنبر، ترك إخراجه بعد، وأمر ببنائه من لبن وطين بالمصلى، ولا بُعد في أن ينكر عليه تقديم الخطبة على الصلاة مرة بعد أخرى، ويدل على التغاير أيضًا أن إنكار أبي سعيد، وقع بينه وبينه, وإنكار الآخر وقع على رؤوس الناس" (8) .
حكم إنكار المنكر:
يمكن ان يقسم حكم انكار المنكر على حالتين:
1-فرض كفاية: قال الله-تعالى-: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (آل عمران:104) .
1-قال الإمام ابن كثير-رحمه الله-في تفسير هذه الآية:"والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من الأمة متصدية لهذا الشأن" (9) .
وقال"ابن العربي"في تفسيره لهذه الآية: في هذه الآية والتي بعدها-يعني- { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } (آل عمران:110) دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نصرة الدين بإقامة الحجة على المخالفين" (10) ."
2-فرض عين: قوله-صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَأَى مِنكُم مُنكَرًا فَليُغيَِرُه بيدِهِ، فإنْ لَمْ يَستَطِع فبِلسَانِهِ، فإنْ لَمْ يَستَطِعْ فَبِقلْبِهِ، وذلك أضْعَفُ الإيمانِ) (11) . دل عموم هذا الحديث على وجوب إنكار المنكر على كل فرد مستطيع علم بالمنكر أو رآه.
قال"القاضي ابن العربي":"وقد يكون فرض عين إذا عرف المرء من نفسه صلاحية النظر والاستقلال بالجدال، أو عرف ذلك منه" (12) .
وقال"ابن كثير":"وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (من رأى منكم منكرًا فليغيره...) ثم ساق الحديث (13) ."
وقال النووي:"ثم إنه قد يتعين-يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يرى زوجته, أو ولده, أو غلامه على منكر, أو تقصير في معروف" (14) .
شروط إنكار المنكر:
إنَّ لإنكار المنكر شروطًا يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يعرفها ويراعيها عند إزالته للمنكر، حتى لا يقع أثناء تغييره للمنكر في منكر مساوٍ أو أكبر منه، وهذه الشروط هي:
1-التحقق من كونه مُنكرًا: