فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 9994

فالمنكر كل ما نهى عنه الشارع سواءً كان محرمًا أو مكروهًا، وكلمة المنكر في باب الحسبة, تُطلق على كل فعل فيه مفسدة أو نهت عنه الشريعة، وإن كان لا يُعتبر معصية في حق فاعله, إما لصغر سنه, أو لعدم عقله، ولهذا إذا زنا المجنون, أو هم بفعل الزنا، وإذا شرب الصبي الخمر كان ما فعلاه منكرًا يستحق الإنكار، وإن لم يُعتبر معصية في حقِّهما لفواتِ شرطي التكليف وهما البلوغ والعقل.

2-أن يكون المنكر موجودًا في الحال:

وله ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن يكون المنكر متوقعًا كالذي يتردد مرارًا على أسواق النساء، ويصوب النظر إلى واحدة بعينها، أو كشابِ يقف كل يوم عند باب مدرسة بنات ويصوب النظر إليهن، أو يسأل بكثرة عن كيفية تصنيع الخمر وطريقة تركيبه. فعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في هذه الحالات الوعظ، والنصح، والإرشاد، والتخويف بالله-سبحانه وتعالى-من عذابه وبطشه.

الحالة الثانية: أن يكون متلبسًا بالمنكر: كمن هو جالس وأمامه كأس الخمر يشرب منه، أو كمن أدخل امرأة أجنبية إلى داره وأغلق الباب عليهما ونحو ذلك، ففي هذه الحال يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الإنكار عليه, ونهيه من ذلك طالما أنه قادر على إزالة المنكر ولم يخف على نفسه ضررًا أو أذى .

الحالة الثالثة: أن يكون فاعل المنكر قد فعله وانتهى منه ولم يبق إلا آثاره، كمن شرب الخمر وبقيت آثاره عليه, أو من عرف أنه ساكن أعزب وخرجت من عنده امرأة أجنبية عنه، ونحو ذلك. ففي هذه الحالة ليس هناك وقت للنهي أو التغيير، وإنما هناك محل للعقاب والجزاء على فعل المعصية. وهذا الأمر ليس من شأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، وانما لمن له ولاية عليه كالوالد أو السلطان .

3-أن يكون ظاهرًا من غير تجسس ما لم يكن مجاهرًا:

يجب على المسلم أن ينكر المنكر إذا كان ظاهرًا وشاهده ورآه، دل على ذلك قوله-صلى الله عليه وسلم-: (من رأى منكم منكرًا) فإذا داخله ريبة وشك في منكر خفي مستور عنه، فإنه لا يتعرض له ولا يفتش عنه؛لأن هذا النوع من التجسس المنهي عنه.

4-أن يكون الإنكار في الأمور التي لا اجتهاد فيها:

من الأمور اللازمة لنجاح الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتسع صدره لقبول الاجتهاد فيما يسوغ فيه الخلاف. وهناك مسائل فرعية ليست من الأصول يختلف فيها الناس كثيرًا، وتتباين أقوالهم فيها، وهي في الحقيقة مما يجوز فيه الاجتهاد، فمثل هذه المسائل لا يكفر من خالف فيها، ولا يُنكر عليه؛ لأنها مما وسع الله فيها على عباده ،قال-تعالى-: { وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } (هود: من الآية119) .

أما المسائل التي لا اجتهاد فيها فهي كمن يُخالف ما جاء في كتابِ اللهِ-تعالى- وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم-، أو ما أجمعت عليه الأمة، أو ما عُلم من الدين بالضرورة، فهذا يُنكر على من أتى به (15) .

تفاوت مسؤولية الناس في إنكار المنكر:

إن الله- عزوجل-أوجب علينا جميعًا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلٌ بحسب قدرته، ولكن مما ينبغي التنبيه عليه أن الناس يتفاوتون في هذا الواجب، فالمسلم العامي عليه القيام بهذا الواجب حسب قدرته وطاقته، فيأمر أهله, وأبناءه بما يعلم من أمور الدين التي يسمعها على المنابر, وفي دروس الوعظ.

والعلماء عليهم من الواجب ما ليس على غيرهم، وذلك أنهم ورثة الأنبياء فإذا تساهلوا بهذه المهمة دخل النقص على الأمة، كما حدث لبني إسرائيل.

وأما واجب الحكام في هذه المهمة فعظيم؛ لأن بيدهم الشوكة، والسلطان، والتي يرتدع بها السواد الأعظم من الناس عن المنكر؛ لأن الذين يتأثرون بالوعظ قلة. وتقصير الحاكم بهذه المهمة طامة كبرى، حيث بسبب ذلك يظهر المنكر، ويجترئ أهل الباطل والفسوق بباطلهم على أهل الحق والصلاح (16) .

فيجب على المسلم أن يغير المنكر بحسب طاقته وقدرته, إما بيده، أو بلسانه، أو بقلبه وذلك أضعف الإيمان.

الإنكار باليد أو اللسان له حكمان:

فرض كفاية:

إذا رأى المنكر أو علمه أكثر من واحد من المسلمين وجب إنكاره وتغييره على مجموعهم، فإذا قام به بعضهم ولو واحدًا كفى وسقط الطلب عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد أثم كل من كان يتمكن منه بلا عذر ولا خوف، ودل على الكفاية قوله-تعالى-: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ } آل عمران: 104. والأمة الجماعة، وهي بعض المسلمين.

فرض عين:

أما إذا رأى المنكر أو علمه واحد، وهو قادر على إنكاره أو تغييره، فقد تعين عليه ذلك. وكذلك إذا رآه أو علمه جماعة، وكان لا يتمكن من إنكاره إلا واحد منهم، فإنه يتعين عليه، فإن لم يقم به أثم (17) .

الإنكار بالقلب:

من الفروض العينية التي يُكَلَّف بها كل مسلم، ولا تسقط عن أحد في حال من الأحوال، معرفة المعروف والمنكر، وإنكار المنكر في القلب، فمن لم يعرف المعروف و المنكر في قلبه هلك، ومن لم ينكر المنكر في قلبه دل على ذهاب الإيمان منه. قال ابن مسعود:"هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر" (18) يشير إلى أن معرفة المعروفِ وإنكار المنكر بالقلب فرضٌ لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هَلَكَ (19) .

فإنكار القلب يُخَلِّص المسلم من المسؤولية إذا كان عاجزًا عن الإنكار باليد أو اللسان. قال ابن مسعود-رضي الله عنه-:"يوشك من عاش منكم أن يرى منكرًا لا يستطيع له غير أن يَعلم اللهُ من قلبه أنه له كاره" (20) .

والعجز أن يخاف إلحاق ضرر ببدنه, أو ماله، ولا طاقة له على تحمل ذلك، فإذا لم يغلب على ظنه حصول شيء من هذا لا يسقط عنه الواجب بإنكار قلبه فقط، بل لابد له من الإنكار باليد, أو اللسان حسب القدرة (21) .

عاقبة ترك إزالة المنكر مع القدرة عليها:

1-إذا تُرِكَ النهي عن المنكر استشرى الشر في الأرض، وشاعت المعصية والفجور، وكثر أهل الفساد، وتسلطوا على الأخيار وقهروهم، وعجز هؤلاء عن ردعهم بعد أن كانوا قادرين عليهم، فتطمس معالم الفضيلة، وتعم الرذيلة، وعندها يستحق الجميع غضب الله-تعالى-وإذلاله وانتقامه، قال الله-تعالى-حاكيًا عن بني إسرائيل: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُون *كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } المائدة: 78 - 79. لا يتناهون: لا ينهى بعضهم بعضًا إذا رآه على المنكر. والأحاديث في هذا كثيرة، منها:

ما جاء عن أبي بكر-رضي الله عنه-، عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: (ما من قوم يُعْمَل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا، إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب) (22) .

2-الهلاك في الدنيا: قال-صلى الله عليه وسلم-: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها, فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم, فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا, وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا) (23) .

3-عدم استجابة الدعاء: فعن حذيفة-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم) (24) .

ترك الإنكار خشية وقوع مفسدة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت