فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إذا كان المكلف قادرًا على إنكار المنكر الذي رآه أو علمه، لكنه غلب على ظنه أن تحدث نتيجة إنكاره مفسدة ويترتب عليه شر، هو أكبر من المنكر الذي أنكره أو غيره، فإنه في هذه الحالة يسقط وجوب الإنكار، عملًا بالأصل الفقهي:"يُرَتَكَبُ أَخَفُّ الضررين تفاديًا لأشدهما".
على أنه ينبغي أن يتنبه هنا إلى أن الذي يسقط وجوب الإنكار غالبية الظن، لا الوهم والاحتمال الذي قد يتذرع به الكثير من المسلمين، ليبرروا لأنفسهم ترك هذا الواجب العظيم من شرع الله-عز وجل- (25) .
قول الحق دون خوف أو رهبة:
على المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر دون أن يلتفت إلى شأن من يأمره أو ينهاه، من منصب, أو جاه أو غنى، ودون أن يلتفت إلى لوم الناس, وعبثهم, وتخذيلهم، ودون أن يأبه بما قد يناله من أذى مادي, أو معنوي يقدر على تحمله ويدخل في طاقته، على أن يستعمل الحِكْمة في ذلك، ويخاطب كُلاًّ بما يناسبه، ويعطي كل موقف ما يلائمه. فعن أبي سعيد-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-أنه قال في خطبة: (ألا لا يَمْنَعَنَّ رجلًا هيبةُ الناس أن يقول بحق إذا علمه) (26) .
عموم المسؤولية وخصوصها:
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب الأمة جمعاء، فكل مسلم علم بالمنكر وقدر على إنكاره وجب عليه ذلك، لا فرق في ذلك بين حاكم ومحكوم، أو عالم وعامي. ولكن هذه المسؤولية تتأكد على صنفين من الناس، وهما: العلماء, والأمراء:
أما العلماء: فلأنهم يعرفون من شرع الله-تعالى-ما لا يعرفه غيرهم من الأمة، ولما لهم من هيبة في النفوس واحترام في القلوب، مما يجعل أمرهم ونهيهم أقرب إلى الامتثال وأدعى إلى القبول. والخطر الكبير عندما يتساهل علماء الأمة بهذه الأمانة التي وضعها الله-تعالى-في أعناقهم.
أما الأمراء: أي الحكام، فإن مسؤوليتهم أعظم، وخطرهم إن قصروا في الأمر والنهي أكبر؛ لأن الحكام لهم ولاية وسلطان، ولديهم قدرة على تنفيذ ما يأمرون به وينهَون عنه وحمل الناس على الامتثال، ولا يخشى من إنكارهم مفسدة؛ لأن القوة والسلاح في أيديهم, والناس ما زالوا يحسبون حسابًا لأمر الحاكم ونهيه.
فإذا قصر الحاكم في الأمر والنهي طمع أهل المعاصي والفجور، ونشطوا لنشر الشر والفساد، دون أن يراعوا حرمة أو يقدسوا شرعًا، ولذا كان من الصفات الأساسية للحاكم الذي يتولى الله تأييده ونصرته، ويثبت ملكه ويسدد خطته، أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
فإذا أهمل الحكام هذا الواجب العظيم فقد خانوا الأمانة التي وضعها الله-تعالى-في أعناقهم، وضيعوا الرعية التي استرعاهم الله -تعالى- عليها.
آداب الآمر والناهي:
1-أن يكون ممتثلًا لما يأمر به، مجتنبًا لما ينهى عنه، حتى يكون لأمره ونهيه أثر في نفس من يأمره وينهاه، ويكون لفعله قبول عند الله-عز وجل-، فلا يكون تصرفه حجة عليه توقعه في نار جهنم يوم القيامة.
2-النية والقصد في الأمر والنهي: ينبغي أن يكون الحامل على الأمر والنهي هو ابتغاء-رضوان الله تعالى-وامتثال أمره، لاحب الشهرة والعلو وغير ذلك من الأغراض الدنيوية. فالمؤمن يأمر وينهى غضبًا لله-تعالى-إذا انتهكت محارمه، ونصيحة للمسلمين ورحمة بهم إذا رأى منهم ما يُعَرِّضهم لغضب الله-عز وجل-وعقوبته في الدنيا والآخرة، وإنقاذًا لهم من شر الويلات والمصائب عندما ينغمسون في المخالفات وينقادون للأهواء والشهوات. يبتغي من وراء ذلك كله الأجر والمثوبة عند الله-سبحانه-، ويقي نفسه من أن يناله عذاب جهنم إن هو قصر في أداء الواجب، وترك الأمر والنهي.
3-العبودية الحقة: قد يكون الباعث لدى المؤمن على الأمر والنهي إجلاله البالغ لعظمة الله-سبحانه-، وشعوره أنه أهل لأن يطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر. ويزكي ذلك في نفسه محبته الصادقة لله-عز وجل-، التي تمكنت من قلبه وسرت في آفاق روحه سريان الدم في العروق، ولذلك تجده يؤثر أن يستقيم الخلق ويلتزموا طاعة الحق، وأن يفتدي ذلك بكل غال ونفيس يملكه، بل حتى ولو ناله الأذى وحصل له الضرر، يتقبل ذلك بصدر رحب، وربما تضرع إلى الله-عز وجل-أن يغفر لمن أساء إليه ويهديه سواء السبيل. وهذه مرتبة لا يصل إليها إلا من تحققت في نفسه العبودية الخالصة لله-عز وجل-، وانظر إليه-صلى الله عليه وسلم- وقد آذاه قومه وضربوه، فجعل يمسح الدم عن وجهه,ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) (27) . (28) .
ما يُستفاد من الحديث:
1-يدلُّ الحديث على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الإيمان، لذلك أخرج مسلم هذا الحديث في كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان.
2-من قدر على خصلة من خصاله وقام بها كان خيرًا ممن تركها عجزًا وإن كان معذورًا في ذلك، فالمرأة مثلًا معذورة في ترك الصلاة أثناء الحيض ومع ذلك عَدَّ رسول الله-صلى الله عليه وسلم-ذلك نقصانًا في دينها.
3-من خاف على نفسه الضرب أو القتل أو خاف على ماله الضياع سقط عنه التغيير باليد واللسان.
4-كما فيه أن الصلاة قبل الخطبة يوم العيد، وهذا ما عليه سلف الأمة.
5-في الحديث دلالة على تغيير المنكر على الحكام باليد، مثل ما فعل أبو سعيد-رضي الله عنه-، مثل أن يريق خمورهم ويكسر آلات اللهو التي لهم، أما الخروج عليهم بالسيف فهذا لا يجوز لثبوت الأحاديث الناهية عن ذلك (29) .
اللهم وفقنا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يا رب العالمين، والله أعلم.
1 -صحيح مسلم، كتاب الإيمان (1-69) (49) ، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان.
2 -راجع: كتاب الوافي في شرح الأربعين النووية ص (266) .
3 -النووي على شرح مسلم (1/266) .
4 -صحيح مسلم (1-69) (50) .
5 -صحيح مسلم (49) .
6 -راجع: فتح الباري (3-102) .
7 -راجع: شرح مسلم (1/225) .
8 -راجع: فتح الباري (3-102) .
9 -تفسير ابن كثير (2/75) .
10 -راجع: أحكام القرآن (1/292) .
11 -صحيح مسلم، كتاب الإيمان (1-69) (49) ، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان.
12 -راجع: أحكام القرآن (1/292) .
13 -راجع: تفسير ابن كثير (2/75) .
14 -راجع: شرح مسلم للنووي (1/225) .
15 -راجع: قواعد مهمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضوء الكتاب والسنة، للشيخ الرحيلي. ص (11-16) . بتصرف.
16 -راجع: كتاب قواعد وفوائد ص (288-289) .
17 -راجع: كتاب الوافي ص (269) .
18 -رواه الطبراني في"الكبير" (8564) ، وذكره الهيثمي في"المجمع" (7/257) .، وقال: رجاله رجال الصحيح.
19 -راجع: جامع العلوم والحكم (2/245) .
20 -راجع: مصنف بن أبي شيبة (7/504) .
21 -الوافي ص (268) .
22 -سنن أبي داود، (4338) . وصححه الألباني في صحيح أبي داود رقم (3644) .
23 -رواه البخاري، كتاب الشركة (3/111) (2361) .
24 -رواه أحمد (5/388) وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (6947) .
25 -راجع: الوافي ص (271) .
26 -الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه رقم (3237) .
27 -صحيح البخاري (3290) .
28 -بتصرف من كتاب الوافي في شرح الأربعين النووية ص (270-282) .
29 -راجع: قواعد وفوائد من الأربعين ص (295) .