سادساً: بلغ عدد القضايا الأخلاقية التي تم الفراغ منها داخل أسوار مراكز الهيئات ثمانيةً وستين بالمائة ، وما يتعلق بقضايا المطبوعات أُنهي داخل مراكز الهيئات ما يعادل اثنين وسبعين بالمائة [6] ..فأين الذين يتهمون رجال الحسبة بأنهم يفضحون الناس ولا يحرصون على الستر على أبناء المسلمين وبناتهم ..هاهي الإحصائيات تنطق بالحق وتكذب تلك المقولات الناشئة إما عن حقد دفين أو جهل مبين . فهل تتوقف ألسن طالما امتدت على رجال الحسبة بإلصاق الشائعات وترويج الأكذوبات ؟!!
ولو أن المصيبة وقعت على واحد من هؤلاء الحاقدين المتقولين فتعرض فاسد لبنته أو أخته لأدرك حينها أهمية هذا الجهاز وعظمة رجاله !! وكم حانق حاقد عليهم لم يرعه في هدأة الليل إلا وجرس هاتفه يقرع عليه وهو غارق في بحر نومه أو لهوه ويطلب من قبل الهيئة ليستلم ابنته أو أخته وربما أمه كما حصل سالمة مسلمة مستورة بعد تخليصها من براثن ذئب عادٍ فانطلق لسانه لاهجاً داعياً شاكراً معترفاً بفضلهم وأصبح عنهم من المدافعين .
أيها المسلمون: فهذا جزء يسير من جهود الرئاسة وقد أعرضت صفحاً عن أعمال أخرى طلباً للاختصار..ويحق لنا أن نتساءل: كم يا ترى ..عدد الذين عملوا كل هذه الأعمال الجليلة ..وحققوا هذه الإنجازات الباهرة ..وكفوا المجتمع من شرور كانت ستحصل، ومفاسد كانت ستقع ؟ لقد بلغ عددهم ألفين وثمانمائةٍ وثمانيةً وستين عضواً [7] موزعين في أنحاء البلاد المترامية ..أبعد هذا يسمع قول واش فيهم ؟ أبعد هذا يستمر أناس في الأكل من لحومهم ، والانتقاص من قدرهم ؟ والله تعالى يقول: (( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ) ) (الحجرات:12) .
فكيف بلحوم المصلحين والدعاة العاملين فلحومهم مسمومة ، وسنة الله في منتقصهم معلومة .
أيها المسلمون: ما يُقالُ من نقص الكفاءاتِ والقدراتِ الإداريةِ لدى الرئاسةِ ورجالها ، فمع هذا النقصِ والذي هو موجود في كافة القطاعات فإنه يمكن أن يقال:
أولاً: إن الإحصائياتِ الدقيقة السالفة، تبينُ بجلاءٍ الدور الكبير الذي تقوم به الرئاسة مع قلة أفرادها ، وضعف إمكاناتها ، وكثرة المتربصين بها ، وقلة نصيبها من الوظائف التي تعطى لبقية الأجهزة من الإدارات الحكومية من وزارة الخدمة المدنية ، علماً أنها جهاز أمني فعال .
ثانياً: (هناك دراسة اجتماعية أكدت أن ما نسبته سبعين بالمائة من الجرائم الأخلاقية تم ضبطها من قبل رجال الهيئة..الذين هم عيون المجتمع الساهرة) [8] ..هذا مع النقص فكيف لو أعطي رجال الهيئات بعض الخدمات التي تعطى لعمال النظافة من ميزانيات وأجهزة اتصال وكثرة الأفراد ووسائل النقل ؟ بل كيف لو أعطوها كما تعطى بقية أجهزة أمن الدولة والهيئة واحد منها فكيف سيكون الحال ؟
ثالثاً: حصلت الرئاسة على شهادة من مسؤول أمني كبير يعرف قيمة الأمن والأعراض ، يسجل ما للهيئة من أهمية واقعية للحفاظ على أمن وسلامة وأخلاق المجتمع ، فمن ذلك ما قاله الأخ الفاضل رجل الأمن ؛ اللواء (جميل الميمان) بشهادة رائعة تجسد حقيقة ثمار الهيئة ونظام الحسبة: ( بصفتي أحد رجال الأمن ..أسجل هنا بكل صراحة كلمة حق هي أنه لولا وجود هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقيامها بواجبها ورسالتها السامية دون كلل أو ملل بتأييد من الحكومة ، لكانت المجتمعات السعودية في وضع مخل أخلاقيا ، ولما أمن المواطن على عرضه ، وهي بما تقوم به من أعمال جليلة هادفة إلى الخير والإصلاح ومحاربة الرذيلة بصورها المختلفة) [9] .
رابعاً: يحق لنا أن نتساءل: هل النقصُ الموجود في الرئاسة سببه داخلي ؟ أم أن هناك أسبابا خارجية ...والمتأمل أيها الناس يجد أن هذا النقص إنما هو بسبب قلة الإمكانات الموجودة مع رجال الهيئة ..فرجال النظافة والبلديات يحملون الهاتف النقال ورجال الهيئة محرومون منه مع أهمية هذه الوسيلة في متابعة العابثين بأخلاق الأمة وكرامتها ..وعندما دخلت خدمة الهاتف الجوال فك أزمة عظيمة عنهم ..وأصبحوا يتحملون هم أجور المكالمات والتي من خلالها يتم ضبط القضايا وقد تصل بعض فواتيرهم إلى أكثر من ألفين إلى ثلاثة آلاف ريال ..ورواتبهم غالباً ما بين الألفين إلى ثلاثة آلاف فماذا يفعل رجال الحسبة ؟ فهل نتقي الله فيهم ؟
وأمر آخر ..هل يمكن أن يغطي ثلاثة آلاف عضو على ما يقارب عشرين مليون نسمة؟
فعلى سبيل المثال في منطقة الرياض وما يتبعها من محافظات ..يوجد تسعمائة وخمسون عضوا ..فماذا يغطي هؤلاء ؟ هل يغطون الأسواق التجارية التي انتشرت في كل ناصية طريق ؟ هل يغطون الحدائق العامة المتناثرة هنا وهناك ؟ هل يغطون المطاعم العائلية ؟ هل يغطون المنتزهات والمدن الترفيهية ؟ هل يتابعون المتخلفين عن الصلاة ؟ هل يراقبون أصحاب المسكرات والمخدرات ؟ هل يتجولون في المقاهي والشقق المفروشة ؟ وهل هل أسئلة كثيرة ..فيا مسلمون أيتصور أن يكفي قرابةُ الألف عضوٍ لمتابعة كافةِ هذه الأعمال ..المتناثرة في أماكن متباعدة ..ففي حي من أحياء مدينة الرياض يوجد ستة عشر سوقا وعدد أعضاء المركز خمسة عشر عضواً ..فهل تصورتم حجم المشكلة أيها الناس ؟ مع أن منطقة الرياض تُعد أحسن حالاً في عدد المراكز والأفراد ، فكيف يكون الحال في المدن الأخرى ؟!! فإلى الله المشتكى ، وهو المستعان.
ومع كل هذه النقائص استطاعوا أن يحققوا ما لم يحققه من أعطي كافة الخدمات وما ذاك إلا بسبب أنهم يعملون بصمت وإخلاص ..يحملون هموم المجتمع ..ووقتهم متاح للجميع.. ولكل من يستنجد بهم..
أيها المسلمون: ومع هذا كله فإننا لا ندعي العصمة ، ولا ننفي الخطأ عن رجال الحسبة ، فالخطأ طبيعة ابن آدم ، لكن لا سواء بين خطيئة مصر ومستكبر ، وبين خطأ غير مقصود وقع سهواً وعفواً من مجتهد أقل أحواله أنه مأجور على خطأه كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وهو على خطأه من أكثر الناس تحسراً وأسفاً .. والوقوع في الخطأ وقع لأكمل جيل وأفضل رعيل ؛ ومع ذلك قابلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم المربي الأعظم بالصفح والعفو ..بل والاستغفار والاعتذار ..ألم يسرب حاطب بن أبي بلتعة سراً من أسرار رسول الله صلى الله عليه وسلم العسكرية الحربية إلى أعداءه ..فماذا قال رسول الله لما أراد الصحابة رضي الله عنهم به بطشاً وقتلاً واتهموه بالنفاق ..اتركوه إنه قد شهد بدراً ..وهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه كان في سيفه شيء من الرهق من شدة غيرته ، فقتل أنفساً مسلمة لا تستحق القتل ومع ذلك دافع عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الأصوات المطالبة بعزله واعتذر له ولم يجرده من ألقابه ، ولم يسلبه وسام سيف الله المسلول ، ولم يعزله عن القيادة ..علماً أن رجال الحسبة لم يتعرضوا لأحد بقتل ، وإنما تعرضوا للقتل من قبل أهل الفجور، فهل جزاءهم إذا اجتهدوا وأخطئوا أن يسجنوا أو تشكل لجان للتحقيق معهم أو نقلهم نقلاً تأديبياً ؟!! يقول الله تعالى: (( رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) ) (البقرة:286) قال الله: قد فعلت.