أما ذلك العابد الجاهل المسكين الذي لا يطمع في جنة ربه ولا يخاف من عذابه فقد أخطأ هذا المقام وحُرم من هذا المقام، أخطأ في دعواه المحبة فإن المحب الصادق الذي يعرف ربه فهو في خوف ولا يأمن على نفسه أبدًا حتى يستقر في جنة ربه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وادعوه خوفًا وطمعًا إن رحمة الله قريب من المحسنين [الأعراف:56] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
(1) إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ولا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئًا.
أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذ في النار.
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [آل عمران:102] .
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا [الأحزاب:70-71] .
وصلوا على خاتم النبيين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بذلك في كتابه المبين فقال جل من قائل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا [الأحزاب:56] .
وقال: (( من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه بها عشرًاْ ) ) [1] .
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وذي النورين عثمان وأبي السبطين علي وعن آل بيت نبيك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه أمهات المؤمنين، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك وعفوك وإحسانك يا أرحم الراحمين.
[1] صحيح مسلم (408) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه في النكاح باب الترغيب في النكاح (5/1949) .
(3) أخرجه أحمد (4/25و26) والترمذي في الشمائل (323) وأبو داود (904) والنسائي (3/13) وغيرهم.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه في القدر باب يحول بين المرء وقلبه (6/2440) .
(5) مسند أحمد (3/112، 257) سنن الترمذي (2140،3522) .
(6) أخرجه البخاري في صحيحه في الرقاق باب القصد والمداومة على العمل (5/2373) .
(7) أخرجه البخاري في صحيحه في التفسير (4/1696) .
سعد بن عبد الله العجمة الغامدي
الطائف
سعيد الجندول
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-فضيلة الخوف من الله. 2- خوف الصالحين من الله. 3- أهمية الرجاء فيما عند الله. 4- حال المسلم بين الخوف والرجاء.
الخطبة الأولى
أما بعد:
فإن مما يجب على المسلم أن يعلمه ويعمل به ويكون مقترناً بعباداته وجميع تصرفاته نوعين من أنواع العبادة القلبية بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، وهما الخوف والرجاء، ومعهما أيضاً المحبة لله عز وجل، الخوف من الله عز وجل ومن أليم عقابه والرجاء والطمع فيما عند الله من المغفرة والرحمة وحسن المثوبة، فجاء الإسلام مرغباً في الخوف من الله ودعا إليه لما له من آثار طيبة وثمار حسنة في حياة الفرد والجماعة، فهو يبعث في الإنسان المسلم روح الشجاعة ويدفعه إلى الجهر بالحق وإنكار المنكر دون تهيب من أحد أو خوف من مخلوق بالحكمة والموعظة الحسنة، وهذا من أعظم الفضائل وأكرم الغايات، ومن آثار الخوف من الله أنه يمنع المسلم من الاسترسال في المعاصي والآثام ويجنبه الوقوع في الفسوق ويحجزه عن محارم الله لأنه يستشعر عظمة الله ومراقبته له في السر والعلانية، فالمسلم متى رزق الخوف من الله كف لسانه عن الْهُجْر والكذب والغيبة والنميمة، والسخرية والهمز واللمز، وطهر القلب من الغل والحسد والفسق والكبر والرياء والنفاق وسائر الصفات الذميمة التي يبغضها الله ويمقتها.
لقد دعا الإسلام إلى الخوف من الله وأثنى على الخائفين في عدد من الآيات القرآنية.
قال تعالى: فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ [التوبة:13] . وقال عز وجل: وَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40] . وقال سبحانه: وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:175] . إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى.
روى الإمام أحمد والترمذي رحمهما الله عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله: قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهِمْ راجِعُونَ [المؤمنون:60] . أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: (( لا يا ابنة الصديق، ولكنه الذي يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يتقبل الله منه ) ). وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إني أرى ما لا ترون، أطّت السماء وحُقّ لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى ) ).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة ) ). وعن أبي أمامة الباهلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة دموع من خشية الله، وقطرة دم تهراق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله ) ).
وكلما كانت المعرفة والعلم أتمّ كان الإنسان المسلم أشد لله خوفاً وأعظم خشية.
وفي أعلى المراتب العلماء العاملون المخلصون لله عز وجل قال الله عنهم: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء [فاطر:28] . وبمناسبة ذكر هذه الآية فأذكر معناها، لأن بعض المسلمين لا يعرف الفاعل من المفعول فيقرأ الآية خطأ ويفهم المعنى خطأ عياذاً بالله من ذلك، ويتصور أن الله يخشى من العلماء، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولكن المعنى واضح حيث تقدم المفعول وهو لفظ الجلالة على الفاعل وهم العلماء، وأصبح المعنى أن العلماء بالله حقاً هم الذين يخشون الله ويخافونه لما لديهم من العلم والمعرفة بالله وبما عنده في الآخرة من وعد ووعيد.
وأشد الناس خوفاً من الله هو رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: (( إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية ) ). وفي رواية: (( خوفاً ) )وكان يصلي ولقلبه وصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء.