فهرس الكتاب

الصفحة 8523 من 9994

إن المؤمن حقاً هو الذي يخاف ربه ويرجو رحمته وعفوه، فالخوف من الله هو اللجام القامع عن المعاصي، فالمؤمن يكبح جماح نفسه ولا يتبع نفسه هواها لأن النار حفت بالشهوات، والجنة حفت بالمكاره، وسبب خوف المؤمن هو معرفة شدة عذاب الله، ويسمى ذلك الخوف خشية ورهبة وتقوى، فالمؤمن يخاف من ذنوبه ويخشى الخاتمة السيئة ويخاف من سوابقه فنجده شديد الخوف من الله إن هو عصاه أو اقترف المعصية أو قارب منها. فالخوف من الله يظهر على المسلم في الانكسار لله والتواضع لعباد الله والعفاف واتقاء الشبهات والبكاء أو التباكي. ولقد وصف الله سبحانه الخائفين من سطوته وعقوبته في عدة آيات من كتابه الكريم. فمنها قوله سبحانه: وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِى الصلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الحج:34-35] . وقال عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:2-4] .

وهذان المعنيان وهما: طمأنينةُ القلب ثقة بما عند الله من الرحمة والعفو والتجاوز، والفزعُ من عذاب الله عندما يذكر غضبه وانتقامه من العصاة. هذان المعنيان نجدهما في قوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23] . أي تقشعر وتضطرب وتتحرك بالخوف لما في القرآن من الوعيد والتخويف، وتلين وتسكن عند سماع آيات الرحمة والمغفرة، روي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كما يتحاتّ عن الشجرة اليابسة ورقُها ) ).

وقد وعد الله في كتابه العزيز أهل الخشية والخوف والمراقبة بالمغفرة والنعيم الدائم والرحمة الشاملة، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12] . وقال سبحانه: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] . وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى [النازعات:40-41] . قال أبو هريرة رضي الله عنه لما نزل قوله تعالى: أَفَمِنْ هَاذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ [النجم:59-60] . قال أهل الصفة: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم بكوا حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بكاءهم بكى معهم، فبكينا لبكائه، فقال صلى الله عليه وسلم: (( لا يلج النار من بكى من خشية الله، ولا يدخل الجنة مصرٌّ على معصية ) )وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم هذه الآية: يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] . تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على أصحابه، فخر فتىً مغشياً عليه فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده فإذا هو يتحرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا فتى قل: لا إله إلا الله ) )فقالها، فبشره بالجنة، فقال أصحابه: يا رسول الله: أَمِنْ بيننا؟ قال: (( أو ما سمعتم قوله تعالى: لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:14] ) ).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه جل وعلا أنه قال: (( وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين: إذا خافني في الدنيا أمّنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة ) ). قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:57] . وقال تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء الَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الاْخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الاْلْبَابِ [الزمر:9] .

ألا ما أجمل الخوف حينما يتحلى به العبد المؤمن، وألا ما أروعه من خلة وصفة يتصف بها المؤمن بين العباد.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه أحمده سبحانه وأشكره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً.

أما بعد:

فكما أسلفنا لابد من ارتباط الخوف بالرجاء والمحبة أيضاً لله تعالى، الرجاء الذي يسمى طمعاً ورغبة فيما عند الله من النعيم والثواب والرحمة الواسعة، فيجب أن يكون الخوف والرجاء معتدلين، فلا إفراط ولا تفريط فإن الخوف إذا أفرط صاحبه قد يجره إلى اليأس والقنوط من رحمة الله، وهو حرام، وإذا أفرط المسلم في الرجاء وفي رحمة الله فقد يجره إلى الأمن والغرور، وهو حرام، وهذا حال أكثر المسلمين اليوم، فعلى كل مؤمن أن يعرف أين هو من الخوف والرجاء وأن يعيش بين الخوف والرجاء والمحبة لله سبحانه وتعالى.

والإنسان المسلم لم يخلق ملكاً مطهراً ولا بشراً معصوماً، وإنما هو إنسان تنازعه قوى الخير والشر وتتقلب عليه حياته الروحية أحياناً فتسمو نفسه وترتفع، وأحياناً أخرى تتغلب عليه شهوات الجسد فتخلده وتلصقه بالأرض وترده إلى أسفل سافلين، وعلى المسلم أن يصحح أخطاءه إذا أخطأ ويعالج أمراض نفسه إذا مرض ويغسل نفسه من أدران الذنوب التي قد رانت على عقله وقلبه، ويستأنف السير من جديد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت