ولقد فتح الله باب الأمل والرجاء ودعا العصاة إلى التوبة والاستغفار، وأنه سبحانه يغفر لهم إذا دعوه ورجوه مهما عظم الجرم وكبر الإثم إن هم صدقوا وعزموا على التوبة الصادقة، وأورد بعض الآيات والأحاديث قال تعالى: قُلْ ياعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] . وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً [النساء:110] . وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136] . كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنعام:54] . ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل:119] . إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ اللَّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً [الفرقان:70] .
وفي الحديث القدسي الذي رواه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى ومنه: (( قال تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة ) ).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون ويستغفرون الله تعالى فيغفر لهم ) ). فالله جل جلاله ستره واسع، وعفوه عظيم، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( يُدنَى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه - أي ستره ورحمته - فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا ؟، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: رب أعرف، قال تعالى: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته ) ).
لذلك يشترط أن يستر الإنسان نفسه في الدنيا فلا يجهر بما يفعل من سيئات، فإن إظهار الفاحشة فاحشة أخرى، لأنا نسمع من يتبجح بفعل المنكرات، ويقول أحدهم في المجالس مفتخراً فعلت كذا وكذا في يوم كذا من الأفعال المنكرة .عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( اجتنبوا هذه القاذوارت التي نهى الله عنها فمن ألمّ بشيء منها فليستتر بستر الله ) ). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل عملاً بالليل ثم يصبح وقد ستره الله تعالى عليه، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عليه ) ).
فعلينا ألا ننسى أن الله سريع العقاب وأنه غفور رحيم. قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنعام:165] . غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ لاَ اله إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر:3] . إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأعراف:167] . وقوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ [الأنبياء:90] . إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءايَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْواهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ [يونس:7-10] . إن بعض المسلمين يفهم خطأً ويخلط الخوف الجبلي العادي الطبيعي من المخلوقات وبين الخوف من الله ومن أليم عقابه، وبين الرجاء فيما عند الله من الخير والمثوبة وحسن العاقبة وبين رجاء الحصول على بعض الأمور عن طريق المخلوقين، فالخوف من النمر والأسد والفيل والثعبان والعقرب وغيرها من الدواب وركوب البحر أو الصعود للأماكن الشاهقة أو حتى ظلام الليل لبعض الناس، هذا الخوف من الأمور العادية، وكذلك الخوف والخشية من عواقب ونتائج بعض الأمور لما يقدم عليه الشخص ويخاف من بعض النتائج العكسية، هذه الأنواع من الخوف لا تنافي التوحيد ولا كماله، وليست من الشرك في شيء ولا علاقة لها بالأمور التعبدية إلا ما كان في بعض الأمور التفصيلية التي جرى الكلام عنها أخيراً ولا يتسع المقام لتوضيحها.
وكذلك الحال بالنسبة للرجاء فيما عند الله عز وجل وبين رجاء الحصول على بعض الأشياء المعيشية عن طريق المخلوقين ولا علاقة لها بالعبادة، فليتنبه المسلم للفرق بين هذه الأمور ولا يخلط فيها وبينها فعندها يقع في متاهات وتفسيرات بعيدة كل البعد عن تعاليم الإسلام وليست من العبادة في شيء، وإنما هو تنطع وخلط وفهم في غير موضعه، وحيث نسمع من يفتي ويتكلم في هذا وغيره بغير علم، لذا وجب التنبيه بإجمال دون الدخول في التفاصيل لعدم مناسبة المقام للتوسع في ذلك، وإنما هو التذكير والذكرى التي ينتفع بها المؤمنون كما قال تعالى: وَذَكّرْ فَإِنَّ الذّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55] . وكما قال تعالى: فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ الذّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الاْشْقَى [الأعلى: 9-11] .
عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
الرياض
جامع الإمام تركي بن عبد الله
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة
1-تقلب المؤمن بين الخوف والرجاء. 2- مصير المؤمنين ومصير الكافرين. 3- حقيقة الرجاء. 4- ضرورة اقتران الرجاء بالعمل الصالح. 5- خصال المؤمنين. 6- سؤال الله الجنة والاستعاذة به من النار.
الخطبة الأولى
أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى.
عباد الله، يقول الله جل جلاله في كتابه العزيز: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء الَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الألْبَابِ [الزمر:9] .