فهرس الكتاب

الصفحة 8544 من 9994

وأما طريق محبة الناس فإن النبي علمنا كيف الوصول إليها فقال: (( وازهد فيما عند الناس يحبك الناس ) ). ولا يتم ذلك إلا بالتعفف عما في أيدي الناس من حطام الدنيا الفانية، والإنسان عباد الله بحاجة إلى محبة الناس إليه لأنه يشعر بسعادة وانشراح عندما يعيش بين أظهر ناس يحبونه، ويشعر بضيق وانقباض عندما يحيى بين قوم يكرهونه، وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي قال: (( إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل: إن الله تعالى يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبّوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض ) ).

ولكن عليك أن تعلم أنه لا ينبغي أن تكون محبة الناس لك على حساب الحق والعدل، فإن هذا لا يجوز في دين الله عز وجل قال: (( من أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، ومن أسخط الناس برضا الله كفاه الله مؤونة الناس ) ).

مرزوق بن سالم الغامدي

مكة المكرمة

الرحمة

محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية

ملخص الخطبة

1-منزلة الدنيا ومكانتها من الآخرة. 2- تعريف الزهد في الدنيا. 3- تحذير النبي من فتنة الدنيا. 4- تحذير النبي من حب الجاه والإمارة. 5- الديمقراطية حكم بغير ما أنزل الله. 6- الدخول في الانتخابات والبرلمانات. 7- كيفية اختيار الخلفاء الراشدين للخلافة.

الخطبة الأولى

قال الله تعالى: واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً وقال تعالى: قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى.

وقال تعالى: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.

وقال سبحانه وتعالى: يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور.

والقرآن يخبرنا في مواضع كثيرة عن دناءة الدنيا ويحضنا على الزهد فيها، والإخبار عن خستها وقلتها وانقطاعها وسرعة فنائها، والترغيب في الآخرة والإخبار بشرفها ودوامها، قال شيخ الإسلام رحمه الله، الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة.

فليس الزهد كما يفهمه بعض الناس بالخشونة في الملبس والمأكل أو بعدم طلب الرزق الحلال بالوجه الشرعي أو بأمور وأفعال ما أنزل الله بها من سلطان، إنما هو بأن لا يجعل المسلم همه الدنيا ولا يجعلها مبلغه في سعيه، إنما يجعلها مطية للآخرة، قال أحد العلماء في قوله تعالى: لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور فالزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود ولا يأسف منها على مفقود.

قال آخر: الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال، فتصغر في عينيك فيسهل عليك الإعراض عنها .وقد سئل أحد الأئمة عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهداً؟ فقال: نعم على شريطة أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزنه إذا نقصت.

وبالإجمال فإن الزهد هو تطويع المباحات في كل ما يرضي الله عز وجل، وأن يجعل المسلم همه الآخرة ورضى الله عز وجل: (( الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ) ).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخاف علينا من الالتفات إلى الدنيا وزخرفها فتصرفنا عن الآخرة والسعي لها، فقال صلى الله عليه وسلم: (( اتقوا الدنيا واتقوا النساء ) )يحذرنا من الافتتان بهما والتعلق بهما.

وقال صلى الله عليه وسلم: (( والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم ) ).

وليعلم الإخوة: الفرق بين من يجعل الدنيا في يديه يطيعها لمرضات الله عز وجل وبين من يجعل همه الوصول إلى المراكز الاجتماعية الدنيوية ويسعى بكل جهده لذلك على حساب دينه .. فلو نظرنا إلى العشرة المبشرين بالجنة لوجدنا أن أكثرهم كانوا من أصحاب رؤوس الأموال الطائلة ومن التجار، فهذا أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف لو نظرنا إليهم بمنظار العصر لقيل عنهم أنهم من أصحاب الملايين، فهل تخلف أحدهم عن غزوة مع رسول الله؟ هل ألهاهم التكاثر فمنعوا الإنفاق في سبيل الله؟ كلا والله ثم كلا، هل سعوا للرئاسة والتفاخر وتزكية النفس وطلب المدح؟ لا والله ما فعلوا، بل هم أبعد الأمة عن هذه الأمور، وكانوا يجودون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ولنصرة دينه ولنصرة النبي صلى الله عليه وسلم.

عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ) )وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي قال: (( تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يُعط لم يرض ) ).

وفد سئل النبي صلى الله عليه وسلم من رجل فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال: (( ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس ) ).

وعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ) ).

أي أننا لو تركنا ذئبين جائعين يعيثان فساداً في قطيع من الغنم لن يكون إفسادهما للقطيع أكثر مما يفسد دين الإنسان حرصه على المال أو على الرياسة في الدنيا، فبحرصه على هذين الأمرين يفسد دينه لأنه سيرتكب المحرمات من ربا ورشاوى وظلم واستبداد وتسلط على خلق الله حتى لا يفرط في رياسته، أو حتى لا ينقص رأسماله درهماً واحداً والعياذ بالله، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه.

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قال الله تعالى: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين.

هذا وكما حذر القرآن والسنة من السعي وراء الدنيا والانشغال بها حتى حضور الموت ونحن في غفلة لا هين. فكذلك جاء التحذير من السعي وراء السلطة والإمارة.

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال أحدهما: يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل، وقال الآخر: مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنا والله لا نولي هذا العمل أحداً سأله أو أحداً حرص عليه ) )متفق عليه.

قد يقول قائل هذا يوسف عليه السلام قال: اجعلني على خزائن الأرض فيرد على هذا القول أهل العلم بأن هذا نبي، ومن حقه طلب ذلك، والنبي معصوم ثم هذا شرع من قبلنا، وهذا لم يكن إلا بعد أن طلبه الملك وقال: ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين فاختار يوسف عليه السلام من بين الولايات ولاية بيت المال.

وقد جاء في الحديث المتفق عليه عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك أن أعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها.. ) )الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت