فهرس الكتاب

الصفحة 8580 من 9994

وحينها قال رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم-: (( إنَّها طيبةُ وإنَّها تنفي الخبثَ كما تنفي النارُ خبثَ الفضةِ ) )أخرجهُ أحمد والشيخان ( في تفسير سورة النساء(خ) ومسلمٌ في المنافقين )

أمَّا المنافقون فقد ظنوا باللهِ الظنونَ السيئةِ، وكشفَ القرآنُ خبيئتَهم فقال تعالى: (( ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) ) (سورة آل عمران:154) .

وحين انكشفت المعركةُ وأصيبَ من أصيبَ من المؤمنين، تشفى المنافقونَ وسُرُّوأ لمصابهم، واشتركوا مع اليهودِ في المشاعرِ الفاسدة ، قال ابنُ حجر"حين بكى المسلمون على قتلاهم سُرَّ المنافقون ، وظَهَرَ غَشَشُ اليهودِ ، وفارت المدينةُ بالنفاق ، فقالت اليهودُ لو كان نبياً ما ظهروا عليه ، يعني - المشركين - وقال المنافقون لو أطاعونا ما أصابهم هذا ؟ [ الفتح: 7/347] ."

بل جعلوا يقولونَ لأصحابِ رسولِ الله r لو كان من قُتلَ منكم عندنا ما قُتل ، وهم يَهدِفون إلى تفريق المسلمين، والتخذيل عن مصاحبةِ النبيِّ r، وأنَّى لهم ذلكَ مع قومٍ قالوا لمن قال لهم: إنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل !

عبادَ اللهِ، أمَّا علاقةُ المنافقين باليهودِ، فيكفي تعبيرُ القرآنِ عنها، يقول تعالى (( أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) ) (سورة الحشر:11) .

إنَّهم بحكم القرآن إخوانٌ لليهود، وهم جَاهزونَ للخروجِ معهم لو أُخرجوا، ومستعدُون للقتالِ معهم، ولو باللسانِ إن قُوتلوا ؟ فهل بعد هذا من نصرةٍ وتقاربٍ بين المنافقينَ واليهود،، ومن رامَ تفصيلَ ذلك فليقرأ في تفسيرِ الآية، وليقف عندَ حوادثَ السيرةِ النبوية .

والمنافقونَ كذلكَ مُصانِعون للنصارى، وفي غزوةِ العسرةِ ظهر تخذيلهم للمسلمين وتعظيمُهم للنصارى، فقد قال أحدُهم"يغزو محمد بني الأصفر ( أي الروم ) ، واللهِ لكأني انظرُ إلى أصحابهِ مُقرنين في الحبال"،

وما سلمَ الرسولُ r من شرهم في هذهِ الغزوةِ، من قعدَ منهم عن الخروج ومن خرج، فلم يزد إلاَّ خبالاً وفتنةً، أجل لقد أرجفَ نفرٌ منهم بالمؤمنينِ عن الخروجِ وقالوا: (( وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ ) ).

وقالوا: (( وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) ) (سورة التوبة:49) .

ولمَزوا القليل الذي يجدُ، قالوا لهُ إنَّ اللهَ غنيٌّ عن صدقة هذا ؟ من خلَّفُهِ الرسولُ r في المدينة لغرضٍ كعلي - رضي الله عنه- قالوا إنَّما خلفَ استثقالاً له ؟ وهكذا لم يسلم المسلمون من شرِهم في مُجابهةِ النصارى، فالذينَ خَرجوا نفاقاً استهزؤوا بالصحابةِ، وكفَّرهم اللهُ وان اعتذروا ، بل وصلَ الأمرُ بهم أن خططوا لقتلِ النبيِّ- صلى الله عليه وسلم- في مرجعهِ من تبوك، في قصةِ أصحابِ العقبةِ الواردةِ في صحيح مسلم 4/2144 ) .

أمَّا الذين بقوا فوجدُوها فرصةً للتخطيطِ والاجتماعِ بأطرافٍ مُعاديةً من خارجِ المدينة ، وكان المشروعُ المنكرُ في بناءِ مسجدِ الضرارِ، بتنسيقٍ بين منافقي المدينةِ وابن عامرٍ الفاسق، الذي يُقيمُ عند الروم فتنصرَ، وهذا الرجلُ من الخزرجِ وقد تنصر ، فلمَّا جاءَ الإسلامُ ودخلَ فيهِ الأنصارُ شرَّق أبو عامرٍ بالإسلام ، فخرجَ إلى قريشٍ وألَّبهم على المسلمين ، وحين لم يُفلح ، خرجَ إلى هرقلَ ملك الروم واستنصر على حرب المسلمين ، واتخذِ من المنافقين في المدينةِ أداةً للتخطيط، فأمرُهم أن يتخذوا لهُ معقلاً يَقدمُ عليهم فيهِ من يقدمُ، من عندهُ لأداءِ كُتبِهِ، ويكونُ مرصداً لهُ إذا قدمَ عليهم بعد ذلك، فشرعَ المنافقون في بناءِ مسجدِ الضرارِ مجاورٍ لمسجد قُباء، وأحكموهُ وفرغوا منهُ قبل خروجِ النبي r إلى تبوك، وطلبوا منهُ أن يُصلي فيه ليحتجُّوا بصلاتهِ على إقرارهِ وإثباتهِ، فاعتذر إليهم بالسفر، فلمَّا رجعَ من تبوكٍ نزل الوحي عليه مُسمِّياً هذا المسجد بمسجد الضرارِ، كاشفاً ما اعتمدوهُ فيه من الكُفرِ والتفريقِ بين المؤمنين، فبعثَ رسولُ اللهِ من هدمهُ وأحرقه. [ تفسير ابن كثير: التوبة: 107، 108 ] .

وبقي وحيُ السماءِ موعظةً وذكرى لكلِ عملٍ ظاهرُهُ الحسنى، وباطنُه النفاقُ والكفر، أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: (( وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) ) (سورة التوبة: 107 , 108) .

نفعني اللهُ وإياكم بهدي القرآن وسنة محمدٍ صلى الله عليه وسلم ..

الخطبة الثانية

أيُّها المسلمون:

ولا تقتصرُ جهودَ المنافقين على التعاونِ مع المشركين، أو اليهود أو النصارى، بل هم جاهزون للتعاونِ مع كلِ من تحزبٍ ضدَّ الإسلامِ والمسلمين، وفي معركةِ الخندقِ، وحينَ تحزَّبَ الأحزابُ على المسلمين في المدنيةِ، في جمعٍ لم تشهدهُ المدنيةُ من قبل، وبلغَ الكربُ بالمسلمينَ مبلغه، كان للمنافقين دورُهم وسهامُهم مع أولئكَ الأحزاب، حتى ابتُلى المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً .

وفي ظلِ هذه الظروفِ الصعبةِ كان المنافقون يقولون (( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ) ) (سورة الأحزاب:13,12 ) .

وهكذا شكّلَ المنافقون دورَهم مع الأحزابِ في الإرجافِ والتخذيل ، ومحاولةِ التسللِ والاعتذار عن الخندق أولاً، وعن مُجابهةِ العدو ثانياً ، وأنَّي لأولئك المنافقين أن ينكئوا في العدو، وهم القائلون لإخوانهم هلمَّ إلينا ولا يأتون البأس إلى قليلاً، فلما استحكم الخوفُ بهم (( رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ) ).

عبادَ الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت