ظلت مسيرةُ النفاقِ في عصورِ الراشدين، وساهموا بإشعالِ فتيل الفتنة .
واستمرَ دورُهم في عصرِ الأمويينَ والعباسين يُسمُّون بالمنافقين حيناً، ويُوصفُون بالزنادقةِ حيناً، وبالباطنيين فترةً، وبالعلمانيين أخرى، وليست تهمُّ الأسماءِ فالمسمياتُ تتغير، ولكنَّ السماتُ والوسائلُ والأساليبُ تكادُ تتكررُ وتتجدد، وكلُّهم تعرفُهم في لحنِ القول: واللاَّحقُ منهم أسوأُ من السابق، حتى قال حذيفةَ- رضي الله عنه - خبيرُ المنافقين -المنافقونَ الذين فيكم شرٌّ من المنافقينَ الذين كانوا على عهدِ رسولِ الله- صلى الله عليه وسلم- ، فقيل له: وكيف ذلك ؟ فقال: إنَّ أولئكَ كانوا يُسرُّون نفاقَهم، وإنَّ هؤلاءِ يعلنون ؟ [ العرياني: صفة المنافقين / 53)
وإذا قال حُذيفةَ هذا على المنافقين في عصرِ الصحابة والتابعين ، فما ذا عساهُ يقولُ حذيفةَ لو أبصرَ المنافقين في العصورِ المتأخرة ؟
وجميعُهم يزعمُ الإصلاح (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) ) (سورة البقرة:11) .
والقواسم المشتركةُ بين المنافقين قديماً وحديثاً، بغضُ المؤمنين والسخريةُ بالمتدينين ، وموالاة الكفَّارِ، والمسارعةُ فيهم ، لا يثبتون على مبدأ، ولا يستمرونَ في الصداقةِ لأحد، بل يتقلبونَ ويتلونونَ كالحرباءِ، وأينما هبَّت الريحُ لمصلحتهم هبُّوا معها، فلديهم استعدادٌ للتعاون مع شياطينِ الإنسِ والجن، لتحقيقِ أغراضهم، ولديهم استعداداٌ للتضحيةِ بأقربِ الناسِ إليهم إذا خالفوهم في توجههم ؟
المرأةُ وترٌ طالما طرقوا عليه، ورغبوا في إشاعةِ الفاحشةِ من خلالها، وفي قوله تعالى: (( وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء ) ).
وقوله: (( إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ) ).
نموذجان بل ونهجانِ قبيحانِ للمنافقينَ في المرأة ؟
وموتُ الصالحين تسرُهم ، وإذا مات المُجرمون والفسقةِ نعوهم وأسفوا لموتهم!! وهل تعلمون أنَّ المنافقينَ هُو العنصرُ الشاذُ، الذين فرحَ بموتِ النبي- صلى الله عليه وسلم- ، قال ابنُ عمر: وكان المنافقون قد استبشروا بموتِ رسولِ الله- صلى الله عليه وسلم- رواه ابنُ أبي شيبة في المصنف ( المغازي ص 410) .
أخوةَ الإسلام، وماذا بعدُ، وما الدورُ المطلوبُ تجاهَ المنافقين ؟
أولاً: لا بدَّ من العلمِ بهم ومكرِهم، وأساليبهم، وقراءةِ تاريخِهم ونماذجِهم بوعيٍ في الماضي والحاضر، فالعلمُ بالشيءِ فرعٌ عن تصوره ، والوعيُ خطوةٌ أولى، وما زال القرآنُ ينزلُ ويقول تعالى: (ومنهم ، ومنهم ) حتى كشفَ اللهُ النفاقَ والمنافقينَ في قرآن، يُتلى إلى يوم القيامة .
ثانياً: وبعد العلمِ لا بدَّ من الحذرِ منهم، والتحذير من مخططاتهم وأهدافهم، وقد نزَّل على رسولِ الله- صلى الله عليه وسلم-: (( هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) ) (سورة المنافقون:4) والخطابُ عامٌ للأمة ، في الحذرِ من المنافقين .
ثالثاً: والنهي عن طاعتهم، توجيهٌ للنبي- صلى الله عليه وسلم- وأمتُهِ تبعٌ له ، قال تعالى (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ) ) (سورة الأحزاب:1 ) ) .
قال القرطبي: ودلّ بقوله تعالى (( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ) )على أنَّه كان يميلُ إليهم استدعاءً لهم إلى الإسلام ، أي لو علم اللهُ عز وجل أنَّ ميلَك إليهم فيه منفعةٌ لما نهاكَ عنه ، لأنَّهُ حكيمٌ عليمٌ، ثمَُّ قيل ، الخطابُ له ولأمته ( الجامع لأحكام القرآن 14/115 )
رابعاً: جهادُ المنافقين كما يُجاهدُ الكفار ، بل والإغلاظُ عليهم ، قال تعالى (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) ) (سورة التحريم:9) .
عن علي- رضي الله عنه- قال بُعث رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- بأربعةِ أسيافٍ ، سيفٍ للمشركين، (( فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ ) )وسيفٍ لكفارِ أهلِ الكتاب، (( قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) ) (سورة التوبة:29) .
وسيفٍ للمنافقين بهذه الآية ، وسيفٍ للبغاة، (( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) )ثم علَّق ابنُ كثير: وهذا يقتضى أنَّهم يُجاهَدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق، وهو اختيارُ ابن جرير ( تفسير ابن كثير 4/118 ) .
لقد فهمَ البعضُ أنَّ هذه الآية في المنافقين، تدلُ على أنَّ النفاقَ سيظلُ موجوداً، وسيظل محسوساً ملموساً من أشخاص تُرى فيهم آياتُ النفاق ( عبد العزيز كامل / البيان ) .
وإذا رأى طائفةً من أهلِ العلمِ مُجاهدةَ المنافقينَ بالسيف - إذا ظهرا نفاقُهم - فلا شكَّ أنَّ مجاهدَتهم باللسانِ والحجةِ والبيانِ من بابِ أولى، قال القرطبي: وهذهِ الآيةُ نسخت كلَّ شيءٍ من العفوِ والصلحِ والصفح .
خامساً: الحذرُ من سماتِ المنافقين، والبعدُ عن كلِّ ما يُؤدي إلى النفاقِ، وقد سمعتم أنَّ مرضَ القلوبِ درعٌ للمنافقينَ، ويُمكنُ أن يتحولوا إليهم، وينخرطُوا في سلكهم، فاليحذرِ المسلمُ، وليعالج نفسهُ ويقطعها عن أمراضِ الشهواتِ والشبهات، ومن رعى حولَ الحمى أوشكَ أن يقعَ فيه؟
وأنت أيُّها المسلمُ أو المسلمة، مُطالبٌ بمجاهدةِ المنافقين- على قدرِ طاقتك - فإن لم تستطع فلا أقلَّ من بغضِهم والحذرِ من أفعالهم، والتحذيرِ من شُرورهم .
سادساً: عدمُ مولاةِ المنافقين والحذرُ من اتخاذهم بطانةً للمؤمنين، وكفى بالقرآنِ حكماً وواعظاً، والله يقولُ: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ* إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) ) (سورة آل عمران: 120,119,118) .
سابعاً: عدمُ المجادلةِ والدفاعِ عنهم: (( وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ) ) (سورة النساء:108,107) .