فهرس الكتاب

الصفحة 8597 من 9994

أمة الإسلام: إنَّ أعداءَ اللهِ يستعملونَ شتى الوسائلِ للصدِ عنْ سبيلِ اللهِ، فتارةً يستخدمونَ التصفية الجسدية، وأحياناً يستعملونَ الفكرَ والثقافةَ في تغريبِ الأمةِ ومسخِ هويتها، وهُم لا يترددونَ في استعمالِ أيِّ وسيلةٍ في تحقق أهدافهم ، وكل ما يخدمُ غايتهم، (( وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ) ) (سورة البقرة:117) .

ففي شوالٍ سنةِ خمسٍ منْ الهجرةِ تجمعتْ قوى الكفرِ من كفارِ قريشٍ وحلفائِهمْ من القبائلِ المشركةِ، في أولِ محاولةٍ لاقتلاعِ الإسلامِ منْ جذورِه، ومضوا مُغترينَ بأعدادهِمْ الهائلةِ، وأموالهِمْ الطائلةِ، (( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ ) ) (سورة الصف:8) .

واشتدَ الكربُ على المسلمينَ ، وبلغتِ القلوبُ الحناجرَ، وقد بلغ بهم ما وصفهُ الله تعالى بقوله: (( إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ) ) (سورة الأحزاب: 10،11) .

لقدْ رمتْهُمُ العربُ عن قوسٍ واحدةٍ ، وغدرَ اليهودُ كعادتهِمْ، ونقضوا عهدَ النبيr، وبدأ المنافقونَ والذينَ في قلوبهِمْ مرضٌ بالإرجافِ والتخويفِ من الداخلِ، (( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ) ) (سورة الأحزاب:12) .

وميَّزَ اللهُ أهلَ الإيمانِ، أهلَ البأسِ والصبرِ، (( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) ) (سورة الأحزاب) .

(( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) ) (سورة آل عمران:173) .

وبعدَ تلكَ اللحظاتِ الحرجةِ جاءَ نصرُ الله، (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) ) (سورة الأحزاب:9) .

لقدْ سلطَ اللهُ على أعدائِه رياحاً هوجاء، في ليلةٍ مظلمةٍ باردة، فقلّبت قُدورَهم، واقتلعتْ خيامَهُمْ، وأطفأتْ نيرانَهُمْ، ودفنَتْ رحالهَمْ، فاضطروا للرحيلِ وكفى الله المؤمنينَ القتال.

وما هي إلاَّ سنواتٌ قليلةٌ، حتى وصلتْ حدودُ الدولةِ الإسلاميةِ إلى حدودِ الصينِ، ولم نجد ما نحددُ به اتساعَ ممالكَ الإسلام إلاَّ أن يقول خليفةً من خُلفاء المسلمين: وهو يخاطبُ السحاب، أمطري حيثُ شئتِ فإنَّ خراجكِ سيُحملُ إلينا، إنَّ هذه الحركةُ العظيمة من فتوحات الإسلام، وهذا الاتساع العظيم، جعلَ اليهودُ والنصارى لا يَقرُّ لهم قرار، ولا يهدأُ لهم بال، فبدأتْ الحملاتُ الصليبيةُ للقضاءِ على الإسلامِ، ففي عامِ أربعمائةٍ واثنينِ وتسعينَ من الهجرةِ سقطَ بيتُ المقدسِ في أيدي الصليبيين، وقتلوا فيهِ أكثرَ من ستينَ ألفَ قتيلٍ، (( فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً(سورة الإسراء:5) ، وتبروا (( وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا ) ) (سورة الإسراء:7) , ولقدْ كانَ سلاحُ المسلمينَ في ذلكَ الوقتِ الدموع:

مزجنا دمانا بالدموعِ السواجم فلمْ يبقَ منَّا عرضةً للمُراجمِ

وشرُ سلاحِ المرءِ دمعٌ يريقهُ إذا الحربُ شَبتْ نارها بالصوارمِ

واستمرتِ الحملاتُ قرنينِ من الزمانِ، كان أخطرَها التحالفُ الصليبيُ مع التتارِ، وما نتجَ عنهُ من تلكَ الحملةِ المسعورةِ على المسلمينَ، لقدْ أهلكوا الحرثَ والنسلْ، وعلا أمرُ النصارى ورُفعتِ الصُلبانُ وعلا شأنهُا.

يصفُ الشاعرُ حالَ الناسِ في ذلكَ الوقتِ فيقول:

يا نارُ قلبيَ من نارٍ لحربِ وغى شبتْ عليه ووافى الربعَ إعصارُ

علا الصليبُ على أعلى منابرِها وقامَ بالأمرِ من يحويِه زُنَّارُ

وكم حريمٍ سبتهُ التركُ غاصبةً وكان من دونِ ذاكَ السترُ أستارُ

وهم يُساقونَ للموتِ الذي شهدوا الموتُ يا ربِ من هذا ولا العارُ

إلى قولِهِ وهنَّا بيتُ القصيدِ والسببُ الرئيسُ لتسلطِ الأعداء.

واللهُ يعلمُ أنَّ القومَ أغفَلَهُمْ ما كان من نعمٍ فيهنَّ إكثارُ

فأهملوا جانبَ الجبارِ إذ غفلوا فجاءَهُمْ من جنودِ الكفرِ جبارُ

وأصدقُ من ذلكَ قولَ الله جلَ جلالهُ: (( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) ) (سورة الشورى:30) .

لقدْ دفعَ المسلمونَ في ذلكَ الوقتِ ثمنَ معاصيِهمْ وبعدهِمْ عن كتابِ ربهِم، وسنةَ نبيهم، وإخلادِهم إلى الأرضِ وحبُ الدنيا الثمن غالياً، فقد سقطت بغدادُ عاصمةَ الدولةِ الإسلاميةِ في أيدي التترِ، وقُتلَ الخليفةُ العباسيُ، وسُفكتْ الدماءُ وقُتلَ الأبرياءُ، وانتهكتْ أعراضُ النساءِ في مشاهدَ بشعةٍ، تكادُ تنكِرُها العقولُ لولا ثبوتهُا، ورُبما ظنَّ البعضُ أنَّ شجرةَ الإسلامِ اِجتثتْ من أصولها.

وهذا المؤرخُ ابنُ الأثيرِ، وهو شاهدُ عيانٍ لبعضِ أحداثها، يقول: (فمن الذي يسهلُ عليه أن يكتبَ نعيَ الإسلامِ والمسلمينَ، ومن الذي يهونُ عليه ذكرُ ذلك؟ فيا ليتَ أمي لم تلدني، وياليتني متُّ قبلَ هذا أو كُنتُ نسياً منسياً) انتهى كلامه

لقد قُتِلَ في تلك الحملةِ الوحشيةِ مئاتُ الآلافِ من الناسِ، وإليكمْ نموذجاً واحداً مما حدث ، لقد قُتِلَ أهلُ نيسابور جميعاً، وقُطعتْ رؤسهمْ وجُعِلت في ثلاثِ أهرامات ، هرمٌ لرؤوسِ الرجالِ، وهرمٌ لرؤوسِ النساء ، وهرمٌ لرؤوسِ الأطفال.

أيُّها المسلمون: ورغمَ قُسوةِ الأحداث، وضخامةِ الُمصاب، وجلالةِ الخطب، وفداحةِ الكارثةِ، إلاَّ أنَّ أهلَ الإسلامِ لمَّا غيروا أوضاعَهم، وعادوا إلى ربهم، واستعدوا للنزال، وتأهبوا للقتال، أنزل اللهُ عليهم نصرهُ، وأيديهم بقوته، فظهرَ قادةٌ كبار حملوا لواءَ الإسلام، ورفعوا رايةَ الجهادِ، فقامت الأمةُ معهم، وثبتوا ضدَّ عدوهم، فمن هؤلاءِ الأبطال، عمادُ الدين زنكي، ونورُ الدين محمود، وصلاحُ الدين الأيوبي الذي استردَ بيتَ المقدسِ من أيدي الصليبيين.

والقائدُ قطز، الذي قادَ معركةُ عين جالوت، وغيرَّ بانتصارهِ في تلك المعركةِ موازينَ القوى، حيثُ كانَ في الناسِ هيبةً عظيمةً من جنودِ التتر، فألحقَ بهمْ خسائرَ ماديةٍ ومعنويةٍ، انتهتْ بطردِهم من بلاد ِالشام.

لقد ظنَّ المسلمونَ أنهم لا طاقةَ لهمْ بلقاءِ التتارِ الذين سقطتْ الخلافةُ العباسيةُ على أيديهم، وعاثوا في بغدادَ والشامِ الفسادْ، ثُّم توجهوا إلى مصرَ ليستأصلوا الإسلامَ في جميعِ البلدان كما يزعمون، وبعثَ هُولاكو برسالةِ تهديدٍ إلى قطزَ، وأنذَرُه بما حلَّ بغيرِهِ من الأمراءِ، وأمرهُ بالتسليم، فخرجَ الملكُ المظفرُ بجميعِ عساكرِ مصرَ، ومن انظمَ إليه من عساكرِ الشام ومن العربِ والتركمان، وكان للعلماءِ الدورُ الرائدَ في تحميسِ القادةِ، وحثِ الناسِ على الجهاد، وتكاملَ عنده العسكرُ، وسارَ معهُ بعضُ القادةِ على كُره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت