فلمَّا كان يومُ الجمعةِ الخامسَ عشرَ من شهرِ رمضان، التقى الجمعانِ، وفي قلوبِ المسلمين همٌّ عظيمٌ من التتر، فتحيزَ التترُ إلى الجبل، وعندما اصطدمَ العسكرانِ، اضطربَ جناحُ عسكرِ السلطان، وانتقضَ طرفٌ منه، فألقى الملكُ المظفرُ عندَ ذلك خوذَتُه عن رأسهِ إلى الأرضِ، وصرخَ بأعلى صوتهِ (وا إسلاماه) ثلاث مرات، ويقول: ( يا ألله انصرْ عبدكَ قطزَ على التتار) . وحملَ بنفسِهِ وبمن معهُ حملةً صادقةً، فأيدُهُ الله بنصرهِ، وقُتِلَ مُقدمُ التترُ، وانهزمَ باقيهمْ، ومنحَ الله ظهورَهمْ للمسلمين، يقتُلونَ ويأسرون، ونزلَ السلطانُ وصلى ركعتينِ شكراً لله، وعادَ العسكرُ وقد امتلأتْ أيديهمْ بالغنائم.
لو عاينتْ عيناكَ يومَ نزالُنا والخيلُ تطفحُ في العجاجِ الأكدرِ
وقد اصطخمَّ الأمرُ واحتدمَ الوغى ووهى الجبانُ وساءَ ظنُّ المجترِ
حتى سبقنا أسهماً طاشتْ لنا منهمْ إلينا بالخيولِ الضُمرِ
فتسابقوا هرباً ولكن ردَّهمْ دونَ الهزيمةِ رمحُ كلِ غَضَنْفرِ
وجرتْ دماؤهمُ على وجِهِ الثرى حتى جرتْ منها مجاريِ الأنهر
إذن فالنصرُ ليس بالقوةِ العسكريةِ، ولا المعاييرِ الماديةِ كما يظنهُ الماديون، كلا، إنَّما النصرُ من عند الله، (( إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ) ) (سورة آل عمران:160) .
النصرُ لمنْ نصرَ الدين (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) ) (سورة محمد:7) ، (( وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ ) ) (سورة آل عمران:126) . (( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) ) (سورة الأنبياء:105) .
إذن فالوعدُ بالنصرِ وعدٌ إلهي ، (( وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ) (سورة آل عمران:139) ، لكن بشرط ، (( إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) )، ومن هُم المؤمنون الموعُودونَ بالنصرِ، إنَّهم كما قال الله: (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) ) (سورة الأنفال:3) .
ولذا سألَ ملكُ الرومِ فلولَ جيشهِ المهزوم، ما بالُهم ينتصرون، فقالَ شيخٌ من عُظمائهم، إنَّهم يهزمُوننا، لأنهم يقُومُون الليل، ويصُومُون النهار، ويوفونَ بالعهدِ، ويتناصفُونَ فيما بينهم، فهل أحيينا تلك السجايا الكريمةِ، والخصالَ العظيمة، حتى يتنزل نصرُ اللهِ علينا ؟!!
أيُّها المسلمون: أليسَ اللهُ جلَّ جلالهُ عليمٌ بكلِّ شيء، هل يكونَ في هذا الكونِ أمرٌ بدونِ علمهِ سُبحانه، إذن ربُنا جلالَ جلالهُ، يعلمُ ما سيصلُ إليه أعداءهُ من القوةِ العسكرية، والتطورِ التقني، ومع ذلك يأتي الوعدُ الإلهي ، (( فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) ) (سورة المائدة:56) .
لقد كتبَ اللهُ على كلِّ كافرٍ ذلاً يجدهُ في قلبه، وهلعاً وخوفاً يحسُّهُ في نفسه، (( سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ) ) (سورة آل عمران:151) .
ذلك بأنَّ الذي يُقاتلُ للهِ يكونُ في عونهِ التأييدَ الإلهي، ومن كانَ معهُ اللهُ فلا يدٌ لأحدٍ بكفاحهِ (( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ) ) (سورة محمد: 11) .
وهذا ما أدرَكتهُ قريش على كفرها وضلاَّلها، فعندما سارت بخيلها ورجلها، مُغترينَ بعددهم وعتادهم إلى بدر، عرضَ عليهم خُفاف الغفاريُّ المددَ بالسلاحِ والرجالِ، فقالوا لهُ: لئن كُنَّا نُقاتلُ الناسَ فما بنا من ضعفٍ عنهم، ولئن كُنَّا نُقاتلُ اللهَ كما يزعمُ محمدٌ فما لأحدٍ باللهِ طاقة!!
فيا لله! قريشٌ بكفرها وضلالها، تُدركُ أنَّ اللهَ ينصرُ حزبهُ المؤمنين، وبعضُنا يتخالجُ إليه شكٌّ وريبٌ في نصرِ اللهِ وتأييده !!
وفي مطلعِ القرنِ الثاني للهجرةِ، رفضَ ملكُ سجستانَ والرخْجَ، الذي كان لقبه (رَتْبيل) ، رفضَ أداءَ الخراجِ للمسلمين، وكانَ ذلك في عهدِ بني أميةَ، وقد كان يدفعُ الجزيةَ كغيرهِ عن يدٍ وهو صاغر، فأرسلَ إليهِ الخليفةُ الأمويُ وفدٌ من المسلمينَ يطالبهُ بالخراجِ، فلمَّا وصلَ إليه الوفدُ قال لهم: أين القومُ الذين كانُوا يأتوننا قبلَكم، كانوا ضامري البطونِ من الجوع، يلبسونَ نعالَ الخوص، وفي وُجوههِم سيماءٌ من أثرِ السجود؟ فقيلَ له: قد مضوا ، فقال: إنَّكم لا شكَ أنظرُ منهمْ وجوهاً، ولكنهم أصدقُ منكم وعداً وأشدُ بأساً .
صدقَ واللهِ وهو كذوب، فإنَّ القوةَ الحقيقيةِ لأمةٍ ما، ليست في جيُوشِها الزاحفة، ولا في أسلحتِها اللامعة، ولا في جُنودِها المتأنقين في المأكَلِ والملبس، ولكن بقوةِ إيمانها وقُربها من ربها، وتمسكها بهدي نبيها- صلى الله عليه وسلم-، لذا قال المُلهم عمر ( إنَّكم لا تُقاتلون الناسَ بكثرةِ العددِ، بل تُقاتلونهم بهذا الدين، فانظرا ما ذا أحدثتم في دينكم) .
فعندما يضعفُ مصدرُ القوةِ الحقيقي عند المسلمين فهُم كباقي الناسِ، ميزانُ نصرهِم العددُ والعدة، (( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا ) ) (سورة التوبة:25) .
والأمرُ الذي يجبُ أن يُعلم هو: أنَّ الأمةَ عبرَ تاريخها الحافلِ لم تُمنى بالهزائمِ والنكبات، إلاَّ عند بُعدِها عن كتابِ ربها وسنةِ نبيها، عندما نسوا قولَ الحقِ سبحانه، (( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم ) ) (سورة الأنفال:60) .
عندما نسوا قولَ الحق سُبحانه، (( وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم ) ) (سورة البقرة:109) .
عندما نسوا: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ) ) (سورة آل عمران:118) .
عندما أخلدُوا إلى الأرضِ وأقبلوا على الدنيا، عندما غزتهم جيوشٌ جرارةٌ من الذنوبِ، أيُّها اللاَّهون هلاّ تهجرونَ الملهيات، وتقولونَ وداعاً لزمانِ التُّرهات، قد مضى عهدُ الرُقاد، وأتى يومُ الجهاد، فاحملوا اليومَ السلاحَ، جدِودا عهد صلاح، إنَّ عهدَ الظلمِ ولَّى، وأتى فجرٌ جديد، إيَّهُ يا بغدادُ صبراً، إنَّ بعد العُسرِ يسرا، وجموعِ الكُفرِ مهما عربدت سوفَ تزول .
بارك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم
الخطبة الثانية
الحمد لله... أما بعد: