فهرس الكتاب

الصفحة 8642 من 9994

وبعد أن لحقَ رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- بالرفيقِ الأعلى ، استمرَ النعمانُ- رضي الله عنه- في عهدِ أبي بكر مجاهداً في سبيل الله، مُشاركاً في الفتوحِ الإسلامية ، حتى إذا كان عهدُ عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فتحَ (النعمان) مدينةَ (كسكر) ، فولاهُ الخليفةُ إمارتَها ، ولكنَّ النعمانَ لم يرغب في حياةِ الإمامةِ الهادئة، فكتبَ إلى عُمرٍ يستعفيهِ من هذهِ المهمة، ويطلبُ منهُ الإذنَ لهُ بالانضمامِ إلى صفوفِ المجاهدين في سبيل الله ، هو يُشيرُ عمر بفتح القادسية ، وهو فاتحُ أصبهان ، وشهيدُ نهاوند، (الإصابة 10/170) .

وبعد انتصاراتِ المسلمين في (القادسية) و (المدائن) ، انحاز (بزدجر) ، ملكُ الفرسِ إلى (نهاوند) - وهي في وسطِ إقليمِ فارس ، وفي قبيلةِ همذان - وجمعَ هذا الملكُ الفارسُ كلَّ ما يستطيعُ جمعَهُ ، واعتبرَ هذا المكانُ والمعركةَ ( نهاوند ) معركةً مصيريةً مع المسلمين .

أما الخليفةُ عمرُ- رضي الله عنه- فقد أهمَّهُ أمرُ (بزدجر) وجمعُهُ في (نهاوند) ، فجمعَ المسلمينَ واستشارهم ، وهمَّ أن يرحلَ بنفسهِ ليكونَ قريباً من منزلةِ ملكِ الفرس ، ولكنَّ المسلمين لم يُشيروا عليه بتركِ المدينة ، وإنَّما أشاروا عليه أن يختارَ قائداً للمعركةِ يكفيهِ هذه المهمةَ، ونثرَ الفاروقُ كنانتَه ليختار - وكلُّ الصحابةِ أخيارٌ - ولكن الاختيارَ هذهِ المرةِ وقعَ على النعمان ، ودعاهُ عمرُ لقيادةِ جيشِ المسلمين في نهاوند، وقال لهُ:"إذا أتاكَ كتابي هذا فسِرْ بأمرِ الله ، وبنصرِ اللهِ بمن معكَ مع المسلمين، ولا توطئهم وعْراً فُتُؤذِيهم، ولا تمنعهم حقاً فتكفِّرهم ،" (محمد العبده ص 12 وذكرهم بأيام الله) .

واستجابَ النعمانُ لأميرِ المؤمنين ، وسارَ إلى أرضِ المعركةِ ومعهُ عددٌ من وجوهِ الصحابة، فيهم: حذيفةُ بن اليمَّان، وعبدُ اللهِ بن عمر ، وجريرُ بن عبد اللهِ البجلي ، والمغيرةُ بن شعبة ، وسواهم- رضي الله عنهم أجمعين - وحينَ وصلَ النعمانُ إلى ( نهاوند ) ، نظّمَ أصحابَهُ ، وهم ثلاثونَ ألفاً، وجعلَ على المقدمةِ نُعيم بن مُقرن المُزني ، وعلى المَيمنةِ حُذيفةَ بن اليمَّان ، وعلى الميسرةِ سويدَ بن مُقرن ، وعلى الساقةِ مُجاشع بن مسعودٍ- رضي الله عنهم - وابتدأتِ المعركةُ يومَ الأربعاءَ سنةَ إحدى وعشرين للهجرة - وكان الفرسُ قد تحصَّنوا بخنادقَ حفروها، وربطوا أنفسَهم بالسلاسلِ حتى لا يفروا ، وفرقٌ بينَ أولئكَ الجبناءُ وهم في أرضهم، وبين طلائعُ الشهادةِ من المسلمين، وقد وطئوا أرضهم أولئك الذين آلوا على أنفسِهم أن يُقتلوا مع عدوهم حتى يموتَ الأعجلُ منهما ، أو أن يُذعنوا للإسلامِ الدين الحق ، فيكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم .

وطال الحصارُ، واستشار النعمانُ قادتَه، فأشاروا عليه باستدراجِ الفرسِ والتظاهرِ بالهروب ، حتى إذا ابتعدَ الجندُ عن حصونِهم وخنادقِهم نَشِبتِ المعركةُ، وكان قد وافقَ النعمانُ على هذا الرأي، وقال: إنِّي مُكبرٌ ثلاثاً، فإذا كانت الثالثةُ فابدءُوا القتال ، ودعا النعمانُ ربَّهُ ، وكان كما يقولُ الذهبيُ - مُجابُ الدعوةِ - فبماذا دعا وكيف قال ؟ لقد رفعَ يديهِ إلى السماءِ وتعلقَ قلبُهُ بخالقهِ ، وتاقت نفسُهُ إلى الجنةِ ، وعزَّ عليهِ أن يُغلبَ المسلمونَ ويُخذلَ الإسلامُ وقال ، (اللهم أعزّ دينَك ، وانصر عبادَك، اللهمَّ إنِّي أسألكَ أن تُقرَّ عيني بفتحٍ يكونُ فيه عزُّ الإسلام، واقبضني شهيداً ) وسمعَ الناسُ الدعاءَ فبكوا وحُقَّ لهم أن يبكوا .

ابتدأتِ المعركةُ على إثرِ تكبيرِ القائدِ الشهيد (النعمان) ، وكانت شديدةً، ولكن فرسانُ المسلمين كانوا يشقُونَ الصفوفَ ،وفي طليعتهم (النعمان) ، والذي كانَ أولَ شهيدٍ في أرضِ المعركةِ ، فما وهنَ المسلمونَ وما استكانوا، بل استلمَ الرايةَ بعد النعمانِ ، ( حذيفةَ بن اليمان ) ، وأخفى خبرَ (النعمان) ، وهكذا شانُ المسلمين، فكُلَّما غابَ منهم سيدٌ قام سيدٌ، وهكذا حتماً تمَّ النصرُ المؤزرُ للمسلمين ، وهربَ ( الفيرزانُ ) قائدُ الفرس، فلحقهُ القعقاعُ بنُ عمروٍ- رضي الله عنه- وقتله، وقُتل ( بزدجر) ملكُ الفرسِ ، وتفرقَ جمعُ الفرسِ حيناً ، بل انتهى أمرُ الفرسِ على إثرِ المعركةِ التي سُميت بـ ( فتحِ الفتوح ) .

وهلّلَ المسلمونَ - في أرضِ المعركةِ - للنصرِ، وكبَّروا، ثُمَّ التفتوا يسألونَ عن قائدِهم (النعمان) ليبارِكوا لهُ النصر، ويهنئُوهُ بما فتحَ اللهُ علي يديهِ ، ولكن القائدَ قد فاضت روحُهُ إلى بارئِها، وأقرَ اللهُ عينهُ بنصرِ الإسلامِ وعزِّ المسلمين كما دعا، وحين اخبرَهم أخوهُ (نعيمُ بن مُقرن) قائلاً ، هذا أميرُكم خُتمَ لهُ بالشهادةِ ، لم يتمالكِ المسلمونَ أنفسَهم عن البكاءِ لأميرِ نهاوند الشهيد ، فبكوهُ بكاءً شديداً .

أمَّا المسلمون في المدينةِ فكانوا بشوقٍ إلى معرفةِ الأخبار، وكان الخليفةُ عُمر ينتظرُ نتائجَ معركةِ (نهاوند) بقلقٍ كبير، أجل، لقد أسهرتهُ ليالي نهاوند ، وكان يخرجُ إلى ضواحي المدينةِ ، في حرِّها القاسي ، ينتظرُ أخبارَ الفتحِ ويستنصر، وكان الناسُ ممَّا يرونَ من استنصارهِ ليسَ لهم همٌّ إلاَّ (نهاوند) و (ابن مُقرِّن) ، فجاءَ إليهم أعرابيٌ مُهاجرٌ ، فلمَّا بلغَ البقيعُ قال: ما أتاكم عن (نهاوند) ؟ قالوا وما ذاك ؟ قال: لا شيء، فأرسل إليه عمر، فأتاه، فسألهُ فقال: أقبلتُ بأهلي مُهاجراً حتى وردنا مكانَ كذا وكذا ، فلمَّا صدرنا، إذا نحنُ براكبٍ على جملٍ أحمر، ما رأيتُ مثلَه ، فقلتُ يا عبدَ الله: من أين أقبلتَ ؟ قال: من العراق ، قلتُ: ما خبرُ الناس ؟ قال: اقتتل الناسُ (بنهاوند ) ، ففتحها اللهُ وقُتلَ ابن مُقرن ، واللهِ ما أدري أيُّ الناسِ هو ، ولا ما نهاوند، وما زالَ الخليفةُ عُمرُ يسألُ الأعرابيَ حتى قال لهُ: لعلكَ تكونُ لقيتَ بريداً من بُردِ الجنِ، فإنَّ لهم بُرداً ( قال المحققُ إسنادُ الرواية ثقات، الذهبي سير أعلام النبلاء 2/357) .

وبعد فترةٍِ وجيزةٍ جاءَ البشيرُ إلى عُمر، جاءَ السائبُ بنُ الأقرع . فقال لهُ عُمر - بلهفٍ - ما وراءَك ؟ قال: فتحَ اللهُ عليك واستُشهد الأميرُ ، واختلطت المشاعرُ، وتداخلت الأحاسيسُ عند عمر، فرحٌ وحزنٌ، ودموعٌ للنصرِ، وأخرى لاستشهادِ القائدِ المظفر، واعتلى عمرُ المنبر، ونعى إلى المسلمين النعمان بن مُقرن ، وبكى، وبكى حتى نشج ، وشاركَهُ المسلمون البكاءَ ، ولكن عُمرَ والمسلمين استبشروا بالنصرِ والفتحِ، أما النعمانُ من مُقرن ففي سهلٍ فسيحٍ في نهاوند دُفنَ ، ودُفِنَ معهُ جنودُه الشهداءُ الأوفياءُ، يُشهدون الناسَ على أنَّهم الأوفياءُ لدينهم ، ويشهدُ اللهُ على أنَّهم المُجاهدون في سبيلِ الله، المتعالونَ على حُطامِ الدنيا وزينتها، وبمثلِ أولئكَ الرجالُ ينتصرُ الإسلامُ ، وبمثلِ هذهِ العيناتِ يُرجَفُ بالأعداءِ، وبمثل هذا الصدقِ والإخلاصِ ينتصرُ المسلمون ، ينتصرون وإن قدَّموا أنفسهم شهداءَ ، ويفرحون وإن خُيّل للعدوِّ أنَّهُ ألقاهم صرعى،وصدقَ اللهُُ العظيم: (( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) ) (سورة آل عمران:170,169) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت