فهرس الكتاب

الصفحة 8643 من 9994

أجل، لقد عرت عينُ النعمان بالشهادة، وقرت عيونُ المسلمين بالنصر، وانساح الإسلامُ في مشرق الأرض، يُبددُ الظلامَ، وينشرُ العدل والنور: (( وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ) (سورة الحج: 40) .

الخطبة الثانية

أيُّها المسلمون:

كيف انتصرَ المسلمونَ على أعدائِهم في الماضي، وكيف هُزموا بعد، وكيف ينتصرُ المسلمون اليومَ وغداً على عدوِّهم ؟ تلك أسئلةٌ صعبةٌ، فما أسهلَ الحديثَ عنها، وما أعظمَ القيامَ بها، وبكلِ سهولةٍ يُمكنُ القولَ إنَّ أسلافَنا انتصروا على عدوهم حين انتصروا على أنفسِهم، وخافهم عدوُّهم حين خافوا من ربّهم ، نصروا دينَ اللهِ فنصرهم الله ، وجاهدوا في سبيلِ اللهِ مُخلصين، فتحققَ على أيديهم من النصرِ والتمكينِ والفتح المبين، ما يشهدُ به العدوُّ والصديقُ، كانوا يبحثونَ عن الموتِ فتوهب لهم الحياة، وكانوا يتطلعُونَ إلى الشهادةِ، ويسألون ربّهم أن يبلغهم إياها، لقد قذفَ اللهُ في قلوبهمِ العزةَ بالإسلام، وقال قائلُهم"نحن قومٌ أعزنا اللهُ بالإسلامِ، ومهما ابتغينا العزةَ بغيرِهِ أذلّّنا اللهُ"، فقذفَ في قلوبِ أعدائهم الرعبَ والمهانةَ منهم، والرعبُ بدايةُ الهزيمة .

تاقت نفوسُهم وتعالت عن الدنيا، فكانت الآخرةُ همّهم، وهجروا الأرضَ والأوطانَ، والعشيرةَ والأزواجَ، جهاداً في سبيلِ الله، ودعوةً إلي دينه، ووقف فارسُهم على جانبِ البحر وقال: واللهِ لو أعلمُ أنَّ هناك أرضاً وقوماً خلف هذا البحر لم تبلغهم دعوةُ الإسلامِ ، وتستطيع الخيلُ أن تصله، لأوطأتها إياه .

كانوا يتسابقون إلى الجهادِ في سبيلِ الله ، ومقارعةِ الأعداء ، يستوفي ذلكَ الشبابُ والكهولُ والأسوياءُ وأهلُ الأعذار ، فالأعرجُ يأتي للنبي- صلى الله عليه وسلم- وقد منعهُ أبناؤهُ من القتال، ويقولُ يا نَبيَّ الله إنِّي أريدُ أن أطأ بعرجتي هذهِ الجنة، فلا تحرمني من الجهاد، فيأذنُ اللهُ فيُستشهد، والأعمى يقولُ لأصحابه - إنني رجلٌ أعمى لا أستطيعُ الفرارَ فأعطوني الرايةَ أحملها فيُستشهد، والشبابُ بين يدي رسولِ الله يتصارعون ليثبتوا مقدرتهم على القتال، فيقبلُ من يُقبل منهم، ويُرجأُ آخر لعدم بلوغهم ومقدرتهم، حتى يبلغوا في المعركةِ القادمة وهكذا ، بل حتى النساء لهذا الجيل - وهنَّ ممن عذر اللهُ عن الجهاد - كُنّ يشاركنَ في الجهاد ، يداوينَ الجرحى ويسقينَ العطشى - من المسلمين المجاهدين - ورُبما حملنَ السلاحَ ونكأنَ بالعدو، بل رُبما استحقت أحداهنَّ لقب (المجاهدة) ، كنسيبةَ بنت كعب، التي شهدت أحداً وقال عنها رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم-: (( لمقامُ نسيبةَ بنت كعبٍ اليوم خيرٌ من مقامِ فلانٍ وفلان ) )وشهدت حمراء الأسد، ودمُها ينزفُ ويوم حنين ويوم اليمامة، وبها قُطعت يدُها ، وجُرحت سوى ذلك أحدَ عشر جُرحاً- رضي الله عنها وأرضاها- ( الذهبي سير أعلام النبلاء 2/271) .

أمَّا المُوسرون وأهلُ الثراءِ من المسلمين، فكانوا يبذلون أموالهم رخِيصةً في سبيل الله، وتجهيزَ المجاهدين، ورُبما تسابقَ اثنان منهم فأتى أحدُهم بنصفِ ماله، وجاءَ الآخرُ بمالِهِ كلّه، ذلك شأنُ الخيِّرين، أما عُثمانَ وابنُ عوفٍ وأمثالُهما، فما ضرّهم ما فعلوا بعد تجهيزِ جيشِ العسرة ، وتبقى في المجتمعِ فئةٌ شاذةٌ منافقة، يلمزون المطوعين والمُجرمين في الصدقات .

أمَّا الفقراءُ الذين لا يجدونَ ما ينفقون، ولا ما عليه يحملون، فتفيضُ أعيُنهم بالبكاءِ حزناً، ألاَّ يجدوا ما يُنفقون، ولا يضيرُهم سخريةُ الساخرين بهم، فأولئك سخرَ اللهُ منهم.

نعم لقد كان أولئك الفاتحون يُقاتلون في سبيلِ الله، ولا يخافون لومةَ لائم ، فكانوا يوالون ويعادون في الله ولله ، ويُقاتلون من يكفر، ولا يُوآدُّون من حادَّ الله ورسولَه، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم، أو إخوانهم أو عشيرتهم، ذلك الجيلُ كانوا باختصار: فرساناً بالنهارِ ورهباناً بالليل .

وجيلٌ تلك بعضُ سماتهِ، حريٌ بالنصر، وخليقٌ بأن يخافهم العدو، ويفتحونَ الأقاليمَ، وينشرونَ دينَ اللهِ، لكن ماذا جرى على من بعدهم ممن هزمهم الأعداءُ وفرقوهم شيعاً، لقد أضاعوا الصلاةَ واتبعوا الشهواتِ، تعلَّقُوا بالدنيا وتنافسوها ، كرهوا الموت ، وأُصيبوا بالوهن، الشبابُ طنوا بشبابهم، بل رُبما أمضوهُ في اللهو والترف، والكهولُ تعاجزوا وتباطئوا، والأغنياءُ بخلوا ، والفقراءُ ذلُّوا بالمسألة وتشاغلوا بها، والنساءُ تسابقن إلى الموضةِ وتعلقن بالتوافهِ من الأمور، بل أصبحَ بعضُهنَّ مثاراً للفتنةِ، ومحطةً للتقليدِ وزبالةِ القيمِ والأفكارِ الباليةِ المستورةِ، طاش ميزانُ الولاءِ والبراءِ ، وأصبحَ استجداءُ العدوِّ وتقديمُ العون له ،أمراً ظاهراً ، استهانَ بهم العدوُّ فاحتلَ أرضَهم ، بل تطاولَ إلى التدخلِ في شؤونهم الخاصة ، واتهم بل تطاول على دينِهم ونبيهم- صلى الله عليه وسلم-، وجيلٌ تلك بعضُ سماتِهم أنّى ينصرون .

أيُّها المسلمون

ومع ذلك فالخيرُ باقٍ في هذهِ الأمة ، وثمةَ من يأنفونَ من هذا الواقعِ، والمسلمونَ بشكلٍ عامٍ باتوا يتململون ويدركون أكثرَ حجمَ الخطرِ المحدق، والفرصةُ أمامهم للإصلاحِ والعودة إلى الله مُشرعة الأبواب ، والنماذجُ الصادقةِ للسلفِ والخلف، تغدوا سيرَهم، وفي تجارب المسلمين - عبر القرون -مع أعدائِهم ما يُحفزهم على النهوض والاستعلاء ، واللهُ غالبٌ على أمرِه ، ولينصرنَّ اللهُُ من ينصره ، وجندَ اللهِ هم الغالبون، والعاقبةُ للمتقين .

عبادََ اللهِ:

كم هو جميلٌ هذا العنوانُ الذي عبّرَ به الكاتبُ عن وصفِ أحوال المسلمينَ اليومَ بهذا التعبير، (المستضعفون الأقوياء) ، ثُمَّ قال: مُخطئٌ من يظنُّ أنَّ المسلمين الصادقين أصبحوا لقمةًَ سائغةً في أيدي أعدائهم، ومغرورٌ من يُمني نفسه بسهولةِ المعركةِ الطويلةِ معهم ، وواهمٌ أو مُغفلٍ من يعتقدُ أنَّ تلك المعركةَ ستنتهي بإنهائهم واحتوائهم، أو إلجائهم إلى التخلي عن رسالتِهم الموكولةِ من اللهِ إليهم بأن يُخرجوا الناسَ من الظلماتِ إلى النور، ويملئوا الأرضَ قسطاً وعدلاً، بعد أن مُلئت جوراً وظلماً .

فهؤلاءِ المسلمون - رغم استضعافهم - أداةٌ إلهيةٌ قدريةٌ سيُجري اللهُ تعالى بهم سنَتهُ، ويحققُ بهم وعدَهُ بانتشارِ نورهِ وانتصارِ دينِه، وانكسارِ أعدائِه، (( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ) (التوبة: 33) .

ثم يقولُ الكاتب - وفقهُ اللهُ، صحيحٌ أنَّ المسلمين الآن ضُعفاءُ في تَفرقِهم ، مُشتتون بجراحهم ، ضائعون بفقدانِ القيادةِ العالميةِ الواحدة الراشدة ، وصحيحٌ أنَّ ظلالاً من الذلَ لا تزالُ تُخيّم على رؤوسِ الأمةِ بعد طولِ مخاصمةِ لمعقدِ العزِّ والتمكين، المُتمثلُِ في ذروةِ سنامِ الإسلام، ولكن هذه كلّها أعرضٌ لأمراضِ سُرعان ما تزولُ أسبابُها، والأيامُ تُثبتُ هذا، فلا تزالُ العودةُ إلى الله تعالى بالمسلمين رويداً رويداً، إلى آفاقٍ رحبةٍ من رحمةِ اللهِ .

ثُمَّ استعرض الكاتبُ مكرَ الأعداءِ، وماذا حققَ من إيجابياتٍ للمسلمين، وجال جولات متعددةٍ في عددٍ من المناطقِ الملتهبة، وتفاءلَ بمستقبلٍ مشرقٍ للإسلام والمسلمين، من خلالِ مسمياتِه التالية.

1-فلسطين عطاءٌ بلا غطاءٍ.

2-أفغانستان: طالبان وغلام الأخدود .

3-الشيشان دورٌ كبيرٌ لشعبٍ صغيرٍ .

4-أكرادُ العراقِ ووميض أملٍ في الآفاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت