فهرس الكتاب

الصفحة 8675 من 9994

فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأعلموا أن الله ربكم وحده له الخلق وأنه وحده له الأمر و الحكم كما قال الله عز وجل:? أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ? [الأعراف:54 ] وقال الله تعالى:?كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ? [ القصص: 88] فلا خالق إلا الله ولا مدبر لشئون العالم العلوي والسفلي إلا الله ولا حاكم على الخلق ولا بين الخلق عند الاختلاف إلا الله قال الله عز وجل: ?وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ? [الشورى: 10] وقال الله تعالى: ? فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ? [ النساء: 59 ] فإذا كان الله هو الخالق وهو المدبر للخلق وهو الحاكم وحده فهو الذي يوجب الشيء ويحرمه وهو الذي يندب إليه ويحلله إما في كتابه العظيم أو على لسان رسوله النبي الكريم حتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال عن نفسه حين أكل الصحابة رضي الله عنهم من الثوم عام خيبر وكانوا جياعا ثم راحوا إلى المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئا فلا يقربنا في المسجد فقال الناس حرمت وكأنهم والله أعلم أخذوا التحريم من وصف النبي صلى الله عليه وسلم للثوم بأنه خبيث قالوا حرمت فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال ( يا أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي ولكنها شجرة أكره ريحها ) (1) فهاهو النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بشرع الله يقول إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي ولكنها شجرة اكره ريحها فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك أن يحرم ما أحل الله له فكيف بغيره إذا"فالحكم لمن الحكم لله العلي الكبير ولقد أنكر الله على الذين يحللون ويحرمون بأهوائهم فقال الله تعالى: ?قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ * وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ? [يونس: 59-60] وقال جل ذكره: ?وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُون * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ? [النحل:116-117] وأنكر الله عز وجل على قوم اتخذوا من دون الله شركاء في التشريع فقال تعالى:?أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ? [الشورى:21] أيها المسلمون أيها المؤمنون بالله ورسوله إن التحليل إلى الله وإن التحريم إلى الله وإن الإيجاب إلى الله وإن الندب إلى الله وإن الحكم الشرعي كالحكم الكوني كل ذلك إلى الله وإن من أكبر الجنايات أن يقول الشخص عن شيء إنه حلال وهو لا يدري عن حكم الله فيه أو يقول عن الشيء إنه حرام وهو لا يدري أن الله حرمه أو يقول عن الشيء إنه واجب وهو لا يدري أن الله أوجبه أو يقول عن الشيء إنه ليس بواجب وهو لا يدري عن حكم الله فيه إن هذا لجناية كبيرة إنه والله لجناية كبيرة وإنه لسوء أدب مع الله عز وجل إن الله تعالى يقول:?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عِلِيم ? [ الحجرات: 1 ] كيف تعلم أيها المسكين أن الأمر كله لله وأن الحكم إلى الله ثم تقدم بين يديه فتقول في دينه وشريعته ما لا تعلم أنه من دينه وشريعته إن الله تعالى قرن القول عليه بلا علم قرنه بالشرك فقال تعالى:?قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ? [الأعراف:33 ] لقد قال ابن القيم رحمه الله إن القول على الله بلا علم أعظم من الشرك به لأن القول على الله بلا علم يتضمن القدح في شريعته والقدح في حكمته ويتضمن التشريع من دونه ويتضمن إضلال عباده بهذا القول ولهذا كان أعظم ضررا من الإشراك بالله فاتقوا الله عباد الله اتقوا الله ولا تقولوا على الله ما لا تعلمون إن القول على الله بلا علم إنه جناية في حق الله وجناية في حق رسول الله وقدح في دين الله وإضلال لعباد الله فاتقوا الله عباد الله اتقوا الله اتقوا الله لقد كان السلف الصالح يتدافعون الفتيا حتى تصل إلى من لا يمكنه أن يتعذر عنها أيها الناس إن بعض العامة يفتي نفسه أو يفتي غيره بما لا يعلم أنه من شريعة الله يقول هذا حلال أو هذا حرام أو هذا واجب وهو لا يدري عن ذلك أفلا يعلم هذا أن الله تعالى سائله عن ما قال يوم القيامة أفلا يعلم أنه إذا أضل شخصا فقد باء بإثمه وإثم من أتبعه على ذلك إلى يوم القيامة إن الفتيا بلا علم حرام وإذا كانت لم توافق الحق فإن إثم من خالف الحق بهذه الفتيا يكون على من أفتى بها حيا وميتا ويكون كل من اتبع هذه الفتيا الضالة يكون متعلقا بهذا وقد باء بإثمه وإن بعض العامة إذا رأى شخصا يريد أن يستفتي عالما يقول له هذا العامي لا حاجة أن تستفتي هذا واضح هذا حرام مع أنه في الشرع حلال فيحرمه مما أحل الله له أو يقول هذا واجب مع إنه في الشرع غير واجب فيلزمه بما لم يلزمه الله به أو يقول هذا حلال مع أنه في الشرع حرام فيوقعه في ما حرم الله عليه أو يقول هذا غير واجب مع أنه في الشرع واجب فيحرمه من فعل ما أوجب الله عليه إن هذا جناية عظيمة إنه خيانة لأخيه حيث غره بدون علم أرأيتم لو أن أحدا سألك عن طريق مكة من أين يذهب إليها فذكرت له طريقا وأنت لا تعلم أنه يوصل إلى مكة أفلا يعد الناس ذلك خيانة وتغريرا هذا مع أن واضع الطريق إلى مكة هم البشر والوصول إلى البلد قد يكون من متاع الدنيا فكيف بمن تكلم بما لا يعلم في شريعة الله التي شرعها الله لعباده والتي أراد الله من عباده أن يتوصلوا بها إلى رضوانه ودار كرامته هذه مصيبة أن يفتي الإنسان بلا علم أو أن يمنع غيره من الاستفتاء وهناك مصيبة أخرى قد لا تقل عنها مصيبة الا وهي أن بعض العامة ينقلون عن بعض أهل العلم كلاما أو فتوى نعلم أن هؤلاء الذين نقلت عنهم الفتوى لا يقولون بها ولا يفتون بها ولكن هؤلاء الناقلين وهموا في النقل إما لكونهم فهموا كلام العالم على غير مراده أم أنهم أسآوا التعبير في السؤال فأجابهم العالم بحسب ما فهم من سؤالهم فحصل الخطأ وربما يكون لبعض هؤلاء العامة ربما يكون لهم قصد سيئ في ما نقله عن العالم أما أن له هوى في فعل هذا الشيء فينسبه إلى العالم ليسهل على الناس فعله و إما أنه يريد تشويه سمعة العالم والتنفير منه لأنه أفتى بفتوى لا توافق هواه أو قال قولا لم يعرفه من قبل وهذا من أعظم الجنايات على الخلق لأن التنفير عن أهل العلم الموثوق بهم ليس تنفير عن أشخاصهم ولكنه تنفير مما حملوه من شريعة الله عز وجل فليحذر الإنسان من التقول على أهل العلم وليتحر الدقة والصحة في ما ينقله"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت