إنَّ صور قتلاكِ تدمي قلوبنا، وإن مناظر الأطفال اليتامى والنساء الثكالى لتأجج مشاعرنا, يا أهل العراق: إن مآقينا لتسيل دماً لا دموعاً, وهي تشاهد أطفالكم الرضع مجندلين قتلت براءتهم, وتنشاهد عجائزكم يبكين الأقربين صرعى بسلاح المعتدين وإننا لنغلي حقداً وغيضاً على حاميةِ الصليب أمريكا وحلفائها, ونحن نرى بيوتَ اللهِ تُدكُ على المصلين فيها جهاراً نهارا , ولكن ما حيلتنا؟ فحسبنا الله ونعم الوكيل, ولا نملكُ إلا أن نرفع أيدينا إلى اللطيف الخبير متضرعين إليه, أن ينزل على أمريكا وحلفائها عذاباً لا يُبقي من جنودها ولا يذر. وصبرٌ جميلٌ, والله المستعان, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إن ما نراه اليوم, وما نسمعه من صور الحقدِ اليهودي في فلسطين, والعداوةُ الصليبية في العرق, ليجلي الحق اليقين, والحقيقة التي لا تقبل الشك ولا الظنون, ولا تُغيرها الحوادث ولا السنون, الحقيقةُ التي ما تغيرها الشعارات المرفوعة, ولا الدعوات الزائفة, ولا تبدلها معاهدات الدول, ولا مواثيقَ ما يسمى بهيئةِ الأمم, الحقيقة التي لا تُلغيها مبادرات الصلح, ولا معاهدات السلام, إنها الحقيقةُ التي قررها من هو أعلمُ بمن خلق, وهو اللطيف الخبير، حقيقةٌ عنوانها (( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ) ) (البقرة: من الآية120 ) وبنودها, (( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً ) ) (البقرة: من الآية109) .
(( لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ) ) (آل عمران: من الآية118) .
(( وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظ ) ) (آل عمران: من الآية119) .
(( لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ) ) (التوبة:10) .
(( إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ) ) (الممتحنة:2) .
إن الأعداء هم الأعداء على مر التاريخ, وأعداء اليوم هم أعداء الأمس, واليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض, هل ننسى الحروب الصليبية خلال مائتي عام؟ وهل ننسى فضائع الأندلس؟ وهل ننسى أن النصارى هم من شرد المسلمين في فلسطين, وأحلوا اليهود محلهم؟ وهل ننسى أن بريطانيا النصرانيةَ هي صاحبة الوعد المشؤوم لليهود ؟ وهل ننسى نصيرة الكفر و رافعة راية الصليب أمريكا؟ أليست هي العدو الأولى للمسلمين؟ والمحاربة لقضاياهم, أليست هي الأُم الحنون لليهود الغاصبين؟ أليست هي التي تمارسُ اليوم سياسة الكبر والغطرسة؟ والاستعلاء قولاً وفعلاً ؟ أليس هم من قال: لقد جعل الله منا أساتذة العالم, لكي نتمكن من نشر النظام حيث تكون كالفوضى, وجعلنا جديرين بالحكم, كي نتمكن من إدارة الشعوب البربرية الهرمة, وقد اختار اللهُ الشعب الأمريكي دون سائر الأجناس, شعب مختار يقود العالم أخيراً إلى تجديد ذاته .. أمريكا..أليست هي التي ضربت بلاداً مسلمة؟ وأسقطت أنظمة حكم شرعية, أليست هي التي تحتجز في أسرها بصورة مزرية, صفوة من شباب الإسلام وفلذات الأكباد, وتمارس معهم سياسة القهر والإذلال؟ أليست هي التي تمارس حرباً إعلامية ضد بلادنا و ولاة أمرنا وتسمُنا بدعم الإرهاب كما يزعمون, أمة هذا هو موقفها من الإسلام والمسلمين, أمة يدها ملطخة بدماء الأبرياء, أمةٌ تمارسُ ضدنا سياسةَ القهر والإذلال والاستعداء, فكيف نلامُ على بغضها وعداوتها؟ وكيف يرادُ بنا أن ندير لها خدنا الأيسر بعد ما صفعتنا بخدنا الأيمن؟ إن قلوبنا مجروحةً وأكبادنا مقروحةً بفعل دولة الكفر والطغيان, ولكننا لا نملك في زمن الوهن, وحب الدنيا, وكراهية الموت, إلا أن نحتفظ بمشاعر الأعداء للأعداء, إلى أن يأذنَ الله بالنصر, ويأتي الفرج, إنَّ أولَ موقف يجبُ على المسلمين تجاه هؤلاء اليهود وأولئك النصارى, هو اتخاذهم أعداء, والحذر من موالاتهم والركون إليهم, أو مودتهم و تقديم التنازلات لهم, على حساب العزةِ الإيمانية، إنَّ سماحة الإسلامِ مع أهل الكتاب شيءٌ, واتخاذهم أولياء شيء آخر, ولكنهما يختلطان على بعض المسلمين الذين لم تتضح في نفوسهم الرؤية الكاملة, لحقيقة هذا الدين ووظيفته, إن التسامح معهم إنِّما يكون في المعاملات الشخصية, لا بالتصور الإعتقادي, ولا بالنظام الاجتماعي, وقول الله: (( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ) ) (الممتحنة: من الآية8) ,
إنما يعني: السماحة بالنفقة عليهم, والصلة للقريب منهم, وعدم ظلمهم, أو التعدي على مُسالِمهم, ولكنه لا يعني حبهم, ولا الإعجابَ بهم, ولا مودتهم, ولا مناصرتهم
وثاني المواقف:
أن ندرك جميعاً أن الصراع مع الأعداء صراعٌ ديني, والمعركة معركة العقيدة في صميمها وحقيقتها, و إن حاول الأعداءُ أن يلونها بألوانٍ شتى, لقد جردوا حماسة المسلمين لدينهم وعقيدتهم, حين واجهوهم تحت راية العقيدة, ومن ثمَّ استدار الأعداءُ, فغيروا أعلام المعركةِ, لم يُعلنوها حرباً باسم العقيدة على حقيقتها, خوفاً من حماسة العقيدة وجيشانها, إنَّما أعلنوها بأسماءٍ برَّاقةٍ, باسم الأرض والاقتصاد, وباسم حقوق الإنسان, وباسم القضاءِ على الإرهاب, وباسم نشر السلام, وألقوا في روعنا نحن المخدوعين, أنَّ العقيدة صارة حكايةً قديمة, ولا يجوز رفع رايتها, وخوض المعركةِ باسمها, فهذه سمة المتخلفين المتعصبين, بينما هم في قرارةِ أنفسهم, يخوضون المعركة أولاً وقبل كل شيء, لتحطيم صخرةِ الإسلام, تلك الصخرةَ العاتية, التي نطحوها طويلاً فأدمتهم جميعاً, واسألوا مساجد الفلوجة, فهي على ذلك من الشاهدين, وإنَّ من واجبنا في ضلٍ الأحداث المحزنة, أن نعمقَ في نفوسنا عقيدةَ الولاءِ والبراء, الولاء للمؤمنين بالنصرةِ مادياً ومعنوياً, وبنشر قضيتهم، والدفاع عنهم, والوقوف في صفهم, والبراء من الكافرين ببغضهم, وترسيخ عداوتهم في القلوب, وتربيةُ النفسِ والناسِ والناشئةِ على مقاطعةِ أفكارهم, وأخلاقهم ومنتجاتهم, والتضحيةِ بشهوات النفس, تحقيقاً لعقيدةِ الولاءِ والبراء، (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض ) ) (التوبة: من الآية71) .
قال صلى الله عليه وسلم: (( ما من مسلمٍ يخذلُ مسلماً في موضعٍ تُنتهكُ فيه حرمته, ويُنتقص فيه من عرضه, إلا خذله الله في موطنٍ يُحب فيه نُصرته ) ), والله غالبٌ على أمره, ولكن أكثرَ الناس لا يعلمون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه, إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين, وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, أمَّا بعد. أيها المسلمون: