فهرس الكتاب

الصفحة 8868 من 9994

فاتقوا الله ـ يا أيها المسلمون ـ اتقوا الله عاد المسلمون من غزوة تبوك بعد سفر بعيد وجهاد لاغب، ومسافة طويلة، وشقة بعيدة، وأرض مترامية، حرارة لافحة، عادوا من غزوة العمرة التي كانت آخر غزوة غزاها النبي ، وسبقتها غزوات كثيرة وحروب مريرة. وبعد أن عاد المسلمون من وعثاء السفر، وطول البعد، والعطش الشديد، وقلة ذات اليد، وقلة الظهر والزاد .. بعد هذا كله تلقاهم الله ـ جل جلاله ـ بالترحاب والبشرى، وأنزل في سفرهم آيات تتلى، تحيى صبرهم الكبير، ومشوارهم الطويل: لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِىّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالاْنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة 117] ، إنها التوبة يا عباد الله ـ وإن هذا لمن أعظم ما يبين قدر التوبة وفضلها عند الله ـ عز وجل ـ. التوبة كمال للمؤمن، وقد أعطى المولى ـ جل جلاله ـ للرسول والصحابة معه هذا الكمال بعد آخر الغزوات، بعد أن قضوا نحبهم وبذلوا نفوسهم وأموالهم، وتركوا لله ـ عز وجل ـ ديارهم، فكانت مكافأتهم من الله بأن تاب عليهم، فكانت نعم الغاية ونعم المكافأة ،إنها التوبة يا عباد الله التي لا تنال شيئا إلا برحمة الله ـ عز وجل ـ، وتوفيق للعبد، ولن يستطيع أحد أن ينال شيئا إلا برحمته ـ جل وعلا ـ، حتى أنّ أفضل خلقه وأشرف خلقه وأبرّهم وأكرمهم وأتقاهم وأخشاهم يقول: (( لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ولا أنا إلا أن يتغمّدني الله برحمته ) ) (1) [1] ، لذلك فقد كانت مكافأة الله ـ عز وجل ـ للرسول وصحابته عظيمة جليلة، بأن تاب عليهم بعد آخر غزوة. وانظروا كذلك أيها الإخوة المؤمنون، إلى رسول الله لما أتم أعظم عمل يُعمل، وأضخم إنجاز يُنجز، بعد أن بلّغ رسالات الله، وفتح مكة بلد الله الأمين، فدخل الناس في دين الله أفواجا، ودانت له أرض الجزيرة، يأمره الله قائلا: فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوبَا [النصر:3] .

إنها التوبة والاستغفار بعد هذا العمل الصالح المبرور، وبعد الجهاد الطويل الذي يُختم بالتوبة والاستغفار والبشري بتوبة الله ـ عز وجل ـ إنه كان توابا.

إخوة الإيمان، نتذكر ذلك ونحن نستقبل شهرا عظيما هو رمضان بما فيه من أيام كريمة ومناسبات عظمية، وإن أعظم ما يختم به ذلك وما يبدأ به شهر رمضان، توبة صادقة مخلصة لله ـ عز وجل ـ، يعيد منها الإنسان تنظيم نفسه، فيعرف عيوبها وآفاقها، ويتخلص من الهنات. التي تُزري بنفسه أمام بارئها، ألا ترون أن النفس تستحق بعد كل مرحلة تعطفها من الحياة أن تعيد النظر فيما أصابها من غُرم أو غُنم، ألا تستحق نفوسنا أن نتعهد شؤونها بين الحين والحين، لنرى ما عراها من اضطراب فنزيله، وما لحقها من إثم فننفيه، وبدون هذه المراجعة فإن القلب يغفل وينفرط الأمر، وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28] ، فكان تفريط الأمر، تفريط الأمر واتباع الهوى لمن غفل قلبه، وإن خير فرصة لهذه المراجعة والمحاسبة والبداية بحياة جديدة ورحلة جادة في الطريق إلى الله ـ عز وجل ـ والدار الآخرة.

رمضان، إنه فرصه للتوبة النصوح التي تنقلنا من مرارة المعصية إلى لذة الطاعة، وتنقلنا من وحشة الغفلة إلى أنس الذكر، تنقلنا من وهدة الخطيئة إلى عزة الإيمان.

وليست التوبة فترة قصيرة يعود بعدها الإنسان إلى ما ألف من فوضى وإسفاف. إن التوبة هي العودة الظافرة التي ينتصر بها الإنسان على أسباب الضعف والخمول. إنها التوبة التي يقول الله عنها: وإني وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82] . هذا هو أثرها فبعد التوبة والإيمان وعمل الصالحات قال: الِحَاً ثُمَّ اهْتَدَى، وهي إشارة إلى حياة تجددت بعد لى، ونقلةٍ غيرت معالم النفس.

أيها الأخوة المؤمنون، إن علينا أن نسارع بالتوبة وانتهاز اليوم، وإن انتهاز اليوم أفضل من انتظار الغد، وانتهز الصباح أولى من انتظار المساء، وأما تعليق التوبة على أمنية في الغيب فهو إرجاء لا يعود بخير، وحذارِ من أن نفهم أن التوبة لا تحدث فقط إلا بعد فاحشة ترتكب أو معصية كبيرة، ولنتذكر أن التوبة وظيفة العمر، وأن أفضل التوبة التي تأتي بعد طاعة وصفاء قلب وأنس بالله ـ عز وجل ـ، ولذا ختم الصحابة جهادهم بتوبة الله عليهم، وختم النبي بلاغه لرسالة الله باستغفار الله إنه كان توبا، ويقول الله ـ جل وعلا ـ واصفا عباده: كَانُواْ قَلِيلاً مّن الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17، 18] ، ويأمرنا رسول الله بعد كل صلاة أن نستغفر الله ثلاثا (2) [2] ، إذاً إنها التوبة التي تأتي بعد الطاعة فهي أفضل التوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت