فالعزم كل العزم والحزم كل الحزم، بأن نجعل رمضان بداية حياة جديدة وبداية لتعديل المسار في الحياة. وتذكروا حينما نتوب أننا نتوب إلى ربٍّ توّاب، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها، وينادينا نحن المذنبين المخطئين المسرفين، قُلْ ياعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُواْ إِلَى رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ [الزمر:53، 54] ، ولنتذكر حينما نتوب أن الله يفرح بتوبة العبد، روى مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله: (( لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح ) ) (3) [3] ، وإننا حين نتوب ونستغفره، فإننا ندعو ونستغفر ربا غفارا ينادي عباده: (( يا عبادي، إنكم تذنبون بالليل والنهار ولا يغفر الذنوب إلا أنا فاستغفروني أغفر لكم ) ) (4) [4] ، وينادي وهو الغني عن عباده: (( يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو لقيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لقيتك بقرابها مغفرة.. ) ) (5) [5] ، إنه الرب الرحيم الرحمن الذي كتب في كتاب عنده: (( إن رحمتي سبقت غضبي ) ) (6) [6] ، وهو الذي قسم الرحمة مائة جزء أنزل منها على خلقه جزءا واحدا يتراحم به الخلق كلهم، وأبقى تسعة وتسعين جزءا يرحم بها عباده (7) [7] . قدم على النبي بسبي فإذا في السبي امرأة تطوف بين السبي، قد زاغ بصرها، وشعث رأسها، وهي في حالة ذهول، تبحث عن فلذة كبدها، تبحث عن ولدها، وكان هذا التطواف منها بمرأى النبي فما هو إلا أن وجدت ولدها ذاك فالتزمته، وألصقته بصدرها، وألقمته ثديها تطعمه وضانا، فنظر النبي إلى عاطفة الأمومة ورحمة الأم، وتعجب الصحابة من ذلك فسألهم أترون هذه المرأة ملقية ولدها في النار. قالوا: لا يا رسول الله. فقال: (( لله أرحم بعباده من هذه بولدها ) )رواه البخاري ومسلم (8) [8] ، وروى البخاري ومسلم وأحمد عن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: (( كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُل على راهب، فأتاه فأخبره وهل له من توبة ؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة ؟ فقال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة ؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله ـ تعالى ـ فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله ـ تعالى ـ، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم حكما، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقاربي، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة وغفر له ) ) (9) [9] .
هذه هي رحمة الله ـ جل وعلا ـ يا إخوة الإيمان، فهل ننجز التوبة، فلا نسوّفها، فلا نخلفها، ونجعل من رمضان بداية تغيير المسار إلى الأفضل، وتقويم السير في الطريق إلى الله ـ عز وجل ـ.
نسأل الله ـ جل جلاله ـ أن يعيننا على التوبة وييسرها لنا، وأن يتقبل منا الأعمال. اللهم وفقنا للتوبة وتقبلها منا وأعنا عليها إنك أنت التواب الرحيم، نستغفرك اللهم ونتوب إليك، وصلِّ اللهم وسلِّم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه.
أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون، ونحن نودع قافلة من قوافل الزمن ومرحلة من مراحل التاريخ، نودع عاما ونتلقى عاما، ودعنا عاما حصلت فيه أحداث للأمة، حفرت أخاديد في وجه التاريخ. وإن من أعظم أنواع الغفلة، أن تمر هذه الأعوام والأحداث، ثم لا نرى بعد في الواقع أثرا، ولا تأثرا، فنعوذ بالله أن نكون ممن قال الله فيهم: أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون.
انظروا إلى أحداث أمتنا الإسلامية في العام الماضي، مصائب وكوارث، قتل وحرق لأفرادها، هتك للأعراض، وتشريد للأطفال، وتجهيل الأمة وإخراجها منها، ولا أبالغ حين أقول إنه لم يمر يوم من أيام السنة الماضية، إلا وكانت للأمة الإسلامية فيه حدث مؤلم أو إهانة تعرضت لها، حتى كأن وسائل الإعلام الإخبارية تخصصت في ذكر مصائب المسلمين، ولم آت لأعدد مصائب المسلمين وكوارثهم وأحزانهم، فهذا ما لا أستطيعه في هذه العجالة، ومما لا يتسع المقام لذكره.
إخوة الإيمان، جاءت هذه الأحداث للأمة، لتبين أننا أحوج ما نكون إلى الوضوح ن وتلمس الأخطاء ومعالجة العوار، والعودة إلى الدين، ولكن من الأسف لا زالت الأمة تجد وقتا فارغا وأموالا مبذولة وآذانا سامعة، للتسلية المحرمة وإفساد المجتمع بجميع فئاته، عن طريق بعض القنوات الإذاعية الجديدة التي نذرت نفسها طوال ساعات اليوم للبث والإفساد. بالأمس القريب كنا نشكو من القنوات الفضائية عبر الدشوش التي عمت وطمت ووجهت الإفساد إلى هذا المجتمع، واليوم نرى هذه القنوات الإذاعية التي خصصت للموسيقى والأغاني المائعة الماجنة، وليس هذا فقط بل وتبادل المكالمات الهاتفية، النساء مع الرجال والعكس بالعكس، وتبادل الضحكات.. ومناقشة بعض الأفكار التي ما كنا نسمعها تذاع من قبل أو يتجرأ أحد على طرقها، ولم يكفهم هذا بل راحوا يعلنون عنها في كل مكان بوسائل مغرية حتى شوارعنا ملؤوها بالإعلان عن هذه الترهات، وبأن الحال ستبدل بها دعوة للأمة للتلهي عن قضاياها المصيرية، وتغريرا بفتيان الأمة وفتياتها وتضييع اهتماماتهم، إن هذا كله إضاعة لتميز هذه الأمة وإضاعة لعقيدتها، نحن خير أمة أخرجت للناس، بم كان ذلك: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] ، فهل اشتغلنا بهذا، وهل رسخنا هذه القضية في قلوبنا وقلوب من حولنا، هل جعلنا هذا همنا وهويتنا؟! أسئلة أدع إجاباتها لعقولكم.
إننا أمة ما تميزت بالفن حتى نفتخر بذلك، إننا أمة ما تميزت بالرياضة التي شغلت عقولنا وأفئدة شبابنا، إننا في هذه الجزيرة لنا ما يميزنا، ولنا الرسالة التي نحملها للدنيا، ولنا ما ندعو العالم إليه، ولنا ما نبيّنه للعالم فنقول ها نحن، وهذه بضاعتنا، إننا أتينا لنقول للعالم إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، نقول للعالم أتينا لنحرر العقل من الخرافة، ولنحرر الإنسان من العبودية إلا لله، ولنضع الناس على طريق أوله في أيديهم وآخره في الجنة، هذه رسالتنا، هذه مفاخرنا، وهذه بضاعتنا.
نحن يا فنان ما عاد لنا ……أذن تهفو وللحن تحن
كل ما فينا جراح ودم ……نازف من كبد حري تئن
أنغني للهوى في مأتم ……ولنا من دمنا كأس ودن
وسيوف لا نصقلها……وسيوف الرقص للرقص تسن