فهرس الكتاب

الصفحة 8876 من 9994

تحل بمنجاة من اللوم بيتها إذا ما بيوت بالمذمة حُلّتِ

كأن لها في الأرض نسياً تقصه على أمها وإن تُكلّمك تبْلتِ

أميمة لا يخزى ثناها حليلها إذا ذكر النسوان عفّت وجلّتِ

إذا هو أمسى آب قرة عينه مآب السعيد لم يسل أين ظلّتِ

فصاحبته وقور خجول، لا يسقط قناعها في أثناء سيرها، ولا تلتفت حولها، وقد حصنت بيتها عن كل لوم أو ذم يلحقها، وهي شديدة الحياء، ومن أجل ذلك لا ترفع رأسها عن الأرض في سيرها، حتى ليظن من يبصرها أنها تبحث عن شيء ضاع منها.

وإذا اعترضها شخص وكلَّمها أوجزت ومضت لقصدها وغرضها، وإن الحديث العطر عنها ليملأ زوجها زهواً وخيلاء.

إنها مثال العفة والجلال، وإنه ليرفعها عن كل شك وتهمة، فإذا أمسى وعاد إليها من المرعى أو بعد رحلته الطويلة عاد قرير العين بها سعيداً، فلا يسألها أين كانت لأنها موضع ثقته" [9] ."

ومما يدل على عفة نساء العرب في الجاهلية، وتَرَفُّعِهِنَّ عن أخلاق الرذيلة، وخوفهن من أن يلحق بهن العار، تلك القصة التي حدثت لهند بنت عتبة ـ قبل إسلامها ـ:

"فإن هنداً كانت متزوجة بالفاكه بن المغيرة ـ أحد فتيان قريش ـ، وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس فيه بلا إذن، فنام يوماً في ذلك البيت وهند معه، ثم خرج عنها وتركها نائمة، فجاء بعض من كان يغشى البيت، فلما وجد المرأة نائمة وَلَّى عنها، فرآه الفاكه ابن المغيرة، فدخل على هند وأنبهها، وقال: من هذا الخارج من عندك؟ قالت: والله ما انتبهت حتى أنبهتني، وما رأيت أحداً قط. قال: الحقي بأبيك! و خاض الناس في أمره، فقال لها أبوها: يا بنية! العار وإن كان كذباً، أبثيني شأنك، فإن كان الرجل صادقاً دسست عليه من يقتله فيقطع عنك العار، وإن كان كذباً حاكمته إلى بعض كهان اليمن، قالت: والله يا أبت إنه لكاذب، فخرج عتبة فقال: إنك رميت ابنتي بشيء عظيم، فإما أن تبين ما قلت، و إلا فحاكمني إلى بعض كهان اليمن، قال: ذلك لك."

فخرج الفاكه في جماعة من رجال قريش و نسوة من بني مخزوم، و خرج عتبة في رجال ونسوة من بني عبد مناف.

فلما شارفوا بلاد الكاهن تغير وجه هند وكسف بالها، فقال لها أبوها: أي بنّية! ألا كان هذا قبل أن يشتهر في الناس خروجنا؟. قالت: يا أبت! و الله ما ذلك لمكروه قبلي، ولكنكم تأتون بشراً يخطئ ويصيب، ولعله أن يسمني بسمة تبقى على ألسنة العرب، فقال لها أبوها: صدقت، ولكن سأختبره لك، فصفّر بفرسه، فلما أدلى عمد إلى حبة بر فأدخلها إحليله، ثم أوكى عليها وسار، فلما نزلوا إلى الساحر أكرمهم و نحر لهم، فقال له عتبة: إنا أتيناك في أمر، وقد خبئنا لك خبيئة فما هي؟. قال: حبة بر في إحليل مهر، قال: صدقت، فانظر في أمر هؤلاء النسوة، فجعل يمسح على رأس كل واحدة منهن، ويقول: قومي لشأنك! حتى إذا بلغ إلى هند، مسح يده على رأسها، فقال: قومي غير رقحاء ولا زانية [10] .

فلما خرجت أخذ بيدها، فنترت يدها من يده، وقالت: إليك عني.. فطلقت منه، فتزوجها أبو سفيان، فولدت له معاوية" [11] ."

فتأمَّل حال هند وهي مشركة لم تكن أسلمت بعد، ومدى خوفها من العار والفضيحة التي تأنف النساء العفيفات منه، ولذا فإن هنداً عندما أسلمت جاءت لتبايع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع النساء، فيقرأ عليهن هذه الآية: {يأَيُّهَا النبيُّ إذا جَآءَك المؤمنات يُبَايِعنكَ عَلَى أَن لاَّ يُشرِكنَ باللهِ شَيئاً وَلاَ يَسرِقنَ ولا يَزنِينَ...} الآية، فإذا أقررن قال:"قد بايعتكن"، حتى إذا جاءت هند امرأة أبي سفيان، فلما قال: {وَلاَيَزنِينَ} ، قالت:"أو تزني الحرة؟!! لقد كنا نستحي من ذلك في الجاهلية فكيف بالإسلام" [12] .

وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:"جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ عليها: {أَن لاَّ يُشرِكنَ بِاللهِ شَيئاً وَلاَ يَسرِقنَ ولاَ يَزنِينَ..} الآية، قالت: فوضعت يدها على رأسها حياءً، فأعجبه ما أرى منها، فقالت عائشة: أقري أيتها المرأة، فو الله ما بايعنا إلا على هذا."

قالت: فنعم إذاً. فبايعها بالآية" [13] ."

الله أكبر! لقد اشتقنا كثيراً إلى رؤية هذه المناظر، وسماع تلك المآثر، التي تحقق فيها قول حسان رضي الله عنه:

أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض بالمال

أحتال للمال إن أودى فأكسبه ولستُ للعرض إن أودى بمحتال

ولقد بلغت الغيرة بالعرب منتهاه، حتى إنها لتوصل إلى القتل دون مساس كرامتهم وأعراضهم ولو بكلمة، ومما يُذكر في ذلك"أن بني عقيل بن علفة كانوا يتنقّلون وينتجعون الغيث، فسمع عقيل بنتاً له ضحكت فشهقت في آخر ضحكتها!، فاخترط السيف وحمل عليها وهو يقول:"

فرقت إني رجل فروق لضحكة آخرها شهيق

قال الأصمعي: كان عقيل رجلاً غيوراً" [14] ."

كل ذلك بسبب المروءة التي سكنت سويداء قلوبهم، حتى صارت أغلى ما يملكون، ويهون على المرء منهم أن يفقد حياته ولا يفقد مروءته، ولذا عندما سئل عبد الملك بن مروان: أكان مصعب بن الزبير يشرب الطلاء ـ يعني الخمر ـ؟ قال: لو علم مصعب أن الماء يفسد مروءته ما شربه.

ولم تقتصر غيرة العرب ومروءتهم على أنفسهم بل إنهم شملوا الآخرين حتى قال قائلهم:

وإني لأغضي الطرف عنها تستراً ولي نظر لولا الحياء شديد

ومن أجل ذلك فقد كانت هذه الأخلاق العالية سبباً في ارتفاع أسمائهم، وعلو ذكرهم، ونجاتهم من المهالك،"فلما مات ليث بن مالك، أخذ بنو عبس فرسه وسَلَبَه، ثم مالوا إلى خبائه فأخذوا أهله، وسلبوا امرأته خماعة بنت عوف بن محلّم، وكان الذي أصابها عمرو بن قارب وذؤاب بن أسماء، فسألها مروان القرظ بن زنباع: من أنت؟. فقالت: أنا خماعة بنت عوف بن محلّم، فانتزعها من عمرو وذؤاب لأنه كان رئيس القوم، وقال لها: غطي وجهك، والله لا ينظر إليه عربي حتى أردك إلى أبيك، وضمها إلى أهله، حتى إذا دخل الشهر الحرام أحسن كسوتها وأخدمها وأكرمها، وحملها إلى عكاظ، فلما انتهى بها إلى منازل بني شيبان، قال لها: هل تعرفين منازل قومك ومنزل أبيك؟. فقالت: هذه منازل قومي، وهذه قبة أبي، قال: فانطلقي إلى أبيك، فانطلقت، فخّبرت بصنيع مروان."

ثم إن مروان غزا بكر بن وائل، فقصوا أثر جيشه، فأسره رجل منهم، وهو لا يعرفه، فأتى به أمه، فلما دخل عليه، قالت له أمه: إنك لتختال بأسيرك كأنك جئت بمروان القرظ، فقال لها: وما ترغبين من مروان؟. قالت: عظيم فدائه؟.

قال: وكم ترغبين من فدائه؟، قالت: مائة بعير، فقال مروان: ذلك لك على أن تؤديني إلى خماعة بنت عوف.

فمضت به إلى عوف بن محلّم، فبعث إليه عمرو بن هند أن يأتيه به، وكان عمرو وَجَدَ على مروان من أمر، فآلى أن لا يعفو عنه حتى يضع يده في يده، فقال عوف حين جاءه الرسول: قد أجارته ابنتي وليس إليه سبيل.

فقال عمرو بن هند: قد آليت أن لا أعفو عنه أو يضع يده في يدي. قال عوف: يضع يده في يدك على أن تكون يدي بينهما، فأجابه عمرو بن هند إلى ذلك. فجاء عوف بمروان فأدخله عليه، فوضع يده في يده، ووضع يده بينهما، فعفى، وقال عمرو بن هند: لا حر بوادي عوف ـ أي: لا سيد به يناوئه ـ" [15] ."

ومما يصور ما كانت عليه نساء العرب ـ في العصر الجاهلي ـ من الستر والحشمة، قول القائل:

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد

وهذا شاهد على ما كُنّ يتمتعن به من ستر للوجه عن أعين الرجال، في الوقت الذي تكشفت بعض نساء المسلمين، وألقين الحياء وراءهن ظهرياً.

هذه صور عن ذلك المجتمع الجاهلي الذي تمسك أهله بكرائم الأخلاق، التي نفتقد كثيراً منها في وقتنا الحالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت