فهرس الكتاب

الصفحة 8877 من 9994

فيا للأسف!.. أن نفقد أخلاقاً تَمَسَّك بها أهل الجاهلية، مع ما عندنا من الخير العظيم الذي خلفه لنا النبي صلى الله عليه وسلم، ولكننا أعرضنا عنه، فعلت بعض أخلاق أهل الجاهلية على أخلاق كثير من المسلمين، الذين اهتموا بعمار دنياهم وتزيينها على حساب دينهم..

ما بال دينك ترضى أن تدنسه يوماً وثوبك مغسول من الدنس

فالله المستعان.

بداية الانحدار..

لا أظنه خافياً على من أصلح الله بصيرته ما نحن فيه من الفساد الأخلاقي، الذي طغى على كثير من بلداننا الإسلامية، فأصبح كثير منهم لا يغار على محارمه، فتخرج الزوجة أو الابنة أو الأخت سافرة متبرجة، فلا يحرك ذلك قلبه، ولا تهتز له جوارحُه.

بل ولعله يفاخر بتلك المناظر، ويرى أنها مما تزيده تحضراً، وليقال عنه أنه إنسان انفتاحي.

وهذا له أسباب كثيرة، من أعظمها:

أن كثيراً من هؤلاء أعرض عن تعاليم هذا الدين العظيم، الذي أعزنا الله فيه بعد الذلة، وأكرمنا به بعد المهانة، وجعل لنا من الأجر ما لم يجعله لغيرنا من الأمم، وأعظم ذلك أن خصنا من دون الأمم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع، أفضل نبي وخير رسول، ولكن عندما فَرَّطَ كثير من المسلمين بهذه النعمة العظيمة، وأعرضوا عن اّتِباع هديه، هانوا وذلوا بين الأمم، فأصبحوا يقلدون الكفار شبراً بشبر، وذراعاً بذراع.. يظنون أن ذلك تقدماً ورقياً، وهو والله خِسة، ودناءة، وسقوط إلى الهاوية.

وصدق نبينا الكريم حيث قال:"لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟. قال:"فمن؟" [16] .

ومما أثر ـ أيضاً ـ في أؤلئك المسلمين الذين فقدوا الغيرة:

كثرة الفتن والمغريات، التي استسلم لها بعضهم، فتشربها قلبه حتى صارت جزءاً منه لا يستطيع عيشا بدونها، ولا يأنس إلا بها، فانتكست فطرته، فأصبح يرى المنكر معروفاً والمعروف منكر، ولو جاءه من يُبَيِّن له الطريق ويوضِّح له المحجة، ظن أنه هو المحق، وأن هذا المتكلم على خطأ، وأنه رجعي أو متخلف، لا يريد أن يتقدم أو يتحضر، وكأن التقدم والحضارة بتفسخ النساء وتكشفهن!!..

قاتل الله المفاهيم العوجاء..

ولكن لا غرابة!!.. فإن نبينا صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن ذلك، ولم يتركنا نسير في عمى تتخبطنا الأهواء، فقال صلى الله عليه وسلم:"تُعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عوداً عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربداً كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من هواه" [17] .

بأبي وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله هذا هو الذي يحدث، كيف لا وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى.

فلو نظرتَ إلى بيوت أهل المعاصي وكبائر الذنوب لرأيت عجباً، ولوجدت أن أحدهم قد جاء بأنواع المنكرات التي يمارسها في الخارج فأدخلها جميعاً على أهله، لأنه قد اختلطت عليه الأمور، وفقد التمييز، وصارت هذه المنكرات روحاً لا تفارق جسده، ورآها من أعرف المعروف فَلِمَ لا يمارسها في بيته؟!!.

فلم يكفه أنه انحرف، بل قاد أهله معه إلى الانحراف..

فيا حسرتاه على النساء اللاتي لا غيور لهن..

وإنني لأرى من لا حياء له ولا أمانة وسط القوم عرياناً

ومما جعل بعض الرجال تسقط غيرته، وتُدَهْدَه إلى الحضيض: ظنه بأن الحشمة والستر مضى زمانها وانقضى، وأنه لا يريد أن يُنَغّص على زوجته، حتى يدلل لها على أنه رجل مُتَفهّم، وأنه ضد الاحتكار، ولا يدري المسكين أنه بفعله هذا قد سقط، وأول ما سقط من عينها هي إلى الأبد، لأن المرأة تريد أن تعيش مع رجل تأوي إليه وقت الشدة، وتحس بخوفه عليها ويحوطها برعايته، ومن أجل ذلك جعل الحكيم الخبير ـ سبحانه ـ القوامة بيد الرجل، قال تعالى: {الرَّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فضَّل اللهُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [18] .

وحتى أبرهن على ما ذكرته آنفاً، فهذه الكلمات من زوجات نطقن بالحقيقة التي قد تخفى على كثير من الناس.

قالت (ن.د) : وهي امرأة متزوجة منذ خمس سنوات:

"لم يكن زوجي يمنعني من أي شيء عندما خطبني، فكنت أرتدي ما يحلو لي، وكنت أرتاد الكثير من الأماكن المختلطة، وقد كان يلاحظ نظرات الرجال ولا يقول شيئاً!!."

بصراحة تمنيت أن أشعر بغيرته، لكني في حينها لم أقلق كثيراً للأمر، فقد اعتقدت أنه لا يريد أن يشعرني بأنني مقَيَّدة، ولكن مع مرور الأيام بدأت ألاحظ أنه لا يغار أبداً فمهما فعلت ومهما حصل فهو لا يتأثر، وقد تشاجرت معه كثيراً بافتعال أسباب أخرى، ولكنني في حقيقة الأمر كنت أشعر بإحباط بسبب عدم غيرته، إلا أنني لم أعترف له بذلك حتى الآن ومازلت أعاني من هذا الأمر، إلا أنني لم أخبره بشيء.. فهذا أمر لا يقال، بل يجب أن يشعر به هو بنفسه"."

وقالت أخرى:

"يجب أن تشعر المرأة أن زوجها يغار عليها، فأنا أرى أن الزوج الذي لا يغار على زوجته لا يحبها ولا يهتم بها، وأما أنا فإنني أشعر بالسعادة عندما يرفض زوجي أمراً بسبب غيرته عليّ".

وأردفت ثالثة:

"أعتقد أن عدم غيرة الزوج أخطر من غيرته الشديدة، فأنا أفضل أن يمنعني زوجي من الخروج، وأن يغار عليّ لدرجة الشك من أن لايغار على الإطلاق، فهذا يشعرني أنني غير مرغوبة، وأنه لا يهتم بي".

وعلى جانب آخر قالت إحدى النساء عن غيرة الرجل على زوجته:"هذا الأمر يسعد أية امرأة، ولكن طبعاً بالدرجة المقبولة والمعقولة..".

وختمت إحداهن بقولها:"لا يكفيني أن يخبرني زوجي أنة يحبني بل يجب أن أشعر بغيرته عليّ" [19] .

ففي كلام هؤلاء النسوة توضيح جلي لنظرة المرأة للرجل الذي لا يغار عليها، لأنها حينئذ ستحس بالنقص الذي سيكدر حياتها، لأنها فُطرت على ذلك..

ولكن ليت القوم يعرفون هذه الحقيقة فيستيقظون من رُقادهم الطويل، ويتنبهون من غفلتهم التي أطبقت على قلوبهم فيستدركون ما فاتهم.

ومما أوصل الحال إلى ما هي عليه الآن من السوء والتدهور:

أننا فقدنا أولئك الشباب الغيورين الذين كان أحدهم إذا بلغت أخته سن العاشرة حبسها في البيت، وعاملها معاملة النساء الكبيرات، فلا تخرج إلا بحدود ضيقة، مغطية رأسها، ويا ويلها إن وقفت عند الباب، أو نادت الباعة، فعند ذلك لا تتصور ما يأتيها من النكال، ولذا تجد البنت تنشأ وقد تشرًّبت الأخلاق الحسنة.

ولكن.. للأسف الشديد.. فقدنا ذلك الصنف من الشباب، فصاروا أندر من النادر، فتجد المنزل يدخله كل ما يفسد الأخلاق ويدمرها، فخرجت عندنا هذه الأصناف المنحرفة.

وإنني إذ أخص الشباب بالذكر لأنهم اطلعوا على سبل الانحراف، فكان الواجب عليهم أن يحصنوا بيوتهم عنها، ويحذروا أن تداهمهم، لا أن يغفلوا كما غفل غيرهم حتى داهمهم الفساد على حين غرة، فأصابهم في مقتل، سقطوا على إثره، يتأَوَّهُون من الألم، ويشتكون من الإصابة..

كفى حزناً أن لا حياة هنيئة ولا عمل يرضى به الله صالحُ

قصة حزينة..

قبل زمن ليس بالبعيد كانت تتجلى في مجتمعاتنا صوراً جميلة مشرقة، تعكس مدى ما كان عليه الناس من التمسك بالأخلاق العالية، والآداب الرفيعة.

ولو جلست مع من أدرك ذلك الزمان، ولم ينسلخ من مبادئة الكريمة، وطلبت منه أن يحدثك عن أحوال الناس آنذاك.. لحدثك حديثاً مصحوباً بالتنهدات والزفرات الحارة، هذا إن لم يعلو صوته نشيج وبكاء.. وحاله كقول القائل:

فزعت إلى الدموع فلم تجبني وفقد الدمع عند الحزن داءُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت