ولا يجب على العاقل أن يناقش على تصحيح الإعتاب بالإكثار، مخافة أن يعود المعاتب إلى ما عوتب عليه، لأن من عاتب على كل ذنب أخاه، فحقيق أن يملّه ويقلاه، وإن من سوء الأدب كثرة العتاب، كما أن من أعظم الجفاء ترك العتاب، والإكثار في المعاتبة يقطع الود، ويورث الضد.
كتمان السر محمود..
من حصن بالكتمان سره، تم له تدبيره، وكان له الظفر بما يريد، والسلامة من العيب و الضرر، وإن أخطأه التمكن والظفر، والحازم يجعل سره في وعاء، ويكتمه عن كل مستودع، فإن اضطره الأمر وغلبه أودعه العاقل الناصح له، لأن السر أمانة، وإفشاؤه خيانة، والقلب له وعاؤه، فمن الأوعية ما يضيق بما يودع، ومنها ما يتسع لما استودع.
من أُستودع سرا فليكتمه..
الإفراط في الاسترسال بالأسرار عجز، وما كتمه المرء من عدوه، فلا يجب أن يظهره لصديقه، وكفى لذوي الألباب عبراً ما جربوا، ومن استودع حديثاً فليستر، ولا يكن مهتاكاً ولا مشيعا، لأن السر إنما سمي سرا، لأنه لا يُفشى، فيجب على العاقل أن يكون صدرُه أوسع لسره من صدر غيره بأن لا يفشيه.
أحسن لباس يلبسه المرء.. الفصاحة
الفصاحة أحسن لباس يلبسه الرجل وأحسن إزار يتزّر به العاقل، والأدب صاحب في الغربة، ومؤنس في القلة، وزين في المحافل، وزيادة في العقل، ودليل على المروءة، ومن استفاد الأدب في حداثته انتفع به في كبره، لأن من غرس فسيلاً يوشك أن يأكل رُطبها، وما يستوي عند أولى النهى، ولا يكون سيان عند ذوي الحجى، رجلان: أحدهما يلحن، والآخر لا يلحن.
المودة وحفظ السر..
لا شيء أفضل من المودة، ومن خلصت مودته كان أهلاً أن يخلطه الرجل بنفسه ولا يذخر عنه شيئاً ولا يكتمه سر، ولا يمنعه حاجته ومراده إن قدر على ذلك، ورأس الأدب حفظ السر، فإن كان السر عند الأمين الكتوم فقد احترز من التضييع لأنه خليق أن لا يتكلم به، ولا يُكتم سرٌّ بين اثنين قد علماه وتفاوضا فيه، ولا يكون سراً لأن اللسانين قد تكلما به، فإذا تكلم بالسر اثنان فلا بد من ثالث من جهة الواحد أو من جهة الآخر، فإذا صار إلى الثلاثة فقد شاع وذاع حتى لا يستطيع صاحبه أن يجحده ويكابر فيه، كالغيم إذا كان متقطعاً في السماء فقال قائل: إن هذا الغيم متقطع لا يقدر أحد على تكذيبه.
إفشاء السر مفسدة..
إن فساد عامة الأشياء يكون من حالتين: إحداهما إفشاء السر، والأخرى ترك عقوبة من يستوجب العقوبة.
من حصن سرّه ظفر..
من حصَّن سره فله بتحصينه خصلتان: الظفر بحاجته، والسلامة من السطوات، وإظهار الرجل سرّ غيره أقبح من إظهار سر نفسه، لأنه يبوء بإحدى وصمتين: إما بالخيانة إن كان مؤتمن، أو النميمة إن كان مستودعا.
حسن الكلام لا يتم إلا بحسن العمل..
اعلم أن حسن الكلام لا يتم إلا بحسن العمل، وأن المريض الذي قد علم دواء مرضه إن لم يتداو به لم يغن علمه به شيئاً، ولم يجد لدائه راحة ولا خفة، فاستعمل رأيك ولا تحزن لقلة المال، فإن الرجل ذا المروءة قد يُكرم على غير مال، كالأسد الذي يُهاب وإن كان رابضاً، و الغني الذي لا مروءة له يهان وإن كان كثير المال، كالكلب لا يُحفَلُ به وإن طُوِّق وخُلخِل بالذهب، فلا تَكبُرَنَّ عليك غربتك، فإن العاقل لا غربة له كالأسد الذي لا ينقلب إلا ومعه قوته.
جرح اللسان أشد من جرح السنان..
اعلم أن الفأس يُقطع بها الشجر فيعود ينبت، والسيف يَقطع اللحمَ ثم يرجع فيندمل، واللسان لا يندمل جرحه ولا تُنسى مقاطعه، والنصل من السهم يغيب في اللحم ثم ينزع فيخرج، وأشباه النصل من الكلام إذا وصلت إلى القلب لم تُنزَع ولم تُستخرَج، ولكل حريق مطفئ، فللنار الماء، وللسم الدواء، وللحزن الصبر، وللعشق الفرقة، ونار الحقد لا تخبو أبداً.
من الكلام ما ينبت الأحقاد والضغائن..
إذا كان الكلام أفظع كلام يلقى منه سامعه وقائله المكروه مما يورث الحقد والضغينة، فلا ينبغي أن تسمى أشباه هذا الكلام كلاماً ولكن سهاماً، وإنَّ الكلام الرديء هو الذي يرمي صاحبه في الحقد و العداوة، والعاقل إن كان واثقاً بقوته وفضله، لا ينبغي أن يحمله ذلك على أن يجلب العداوة على نفسه اتكالاً على ما عنده من الرأي والقوة، كما أنه وإن كان عنده الترياق لا ينبغي له أن يشرب السم اتكالاً على ما عنده.
احتقار الناس مفسدة..
العاقل لا يستحقر أحداً، لأن من استحقر السلطان أفسد دنياه، ومن استحقر الأتقياء أهلك دينه، ومن استحقر الإخوان أفنى مروءته، ومن استحقر العوام أذهب صيانته.
فضائل الرجال ما نسبها الناس إليهم..
العاقل يبذل لصديقه نفسه وماله، ولمعرفته رفده ومحضره، ولعدوه عدله وبره، وللعامة بشره وتحيته، ولا يستعين إلا بمن يحب أن يظفر بحاجته عنده، ولا يحدث إلا من يرى حديثه مغنماً، إلا أن يغلبه الاضطرار عليه، ولا يدعي ما يحسن من العلم، لأن فضائل الرجال ليست ما ادّعوها ولكن ما نسبها الناس إليهم.
خصال تورث الاستثقال..
الواجب على العاقل مجانبة الخصال التي تورثه استثقال الناس إياه، وملازمة الخصال التي تؤدي إلى محبتهم إياه، ومن أعظم ما يُتوسل به إلى الناس ويُستجلب به محبتهم، البذلُ لهم مما يملك المرء من حُطام هذه الدنيا، واحتمالُه عنهم ما يكون منهم من الأذى، فلو أن المرء صحبه طائفتان: أحدهما تحبه، والأخرى تبغضه، فأحسن إلى التي تبغضه، وأساء إلى التي تحبه، ثم أصابته نكبة فاحتاج إليهما، لكان أسرعهما إلى خذلانه وأبعدهما عن نصرته الطائفة التي كانت تحبه، لأن الكلب إذا شبع قوي، وإذا قوي أمّل، وإذا أمّل تبع المأمول، وإذا جاع ضعف، وإذا ضعف أيس، وإذا أيس ولى عن المتبوع، فمن عدم المال فليبسط وجهه للناس، فإن ذلك يقوم مقام بذل المعروف، إذ هو أحد طرفيه.
إصلاح السرائر في مجانبة الهوى..
الواجب على المرء: أن يكون لرأيه مُسعف، ولهواه مسوفا، فإذا اشتبه عليه أمران اجتنب أقربهما من هواه، لأن في مجانبته الهوى إصلاح السرائر، وبالعقل تصلح الضمائر.
من ركب هواه هلك..
من ركب هواه ورفض أن يعمل بما جربه هو أو أعلمه به غيره، كان كالمريض العالم بردئ الطعام والشراب وجيده وخفيفه وثقيله، ثم يحمله الشره على أكل رديئه وترك ما هو أقرب إلى النجاة والتخلص من علته.
اتهام الهوى..
ينبغي للعاقل أن يكون لهواه متهماً، ولايقبل من كل أحد حديثاً، ولا يتمادى في الخطأ إذا التبس عليه أمره، ولا يلج في شيء منه، ولا يقدم عليه حتى يتبين له الصواب فيه، وتستوضح له الحقيقة.
إحصاء زلات الخلق يكدر العيش..
من لم يعاشر الناس على لزوم الإغضاء عما يأتون من المكروه، وترك التوقع لما يأتون من المحبوب، كان إلى تكدير عيشه أقرب منه إلى صفائه، وإلى أن يدفعه الوقت إلى العداوة والبغضاء، أقرب منه إلى أن ينال منهم الوداد وترك الشحناء، ومن لم يدار صديق السوء كما يداري صديق الصدق ليس بحازم.
لا تصلح المعاداة لمن وجد للمحبة سبيلا..
العاقل يبصر موضع خطواته قبل أن يضعها، ثم يقارب عدوه بعض المقاربة، لينال حاجته، ولا يقاربه كل المقاربة فُيجترئَ عليه، والعاقل لا يعادي ما وجد إلى المحبة سبيلاً، ولا يعادي من ليس له منه بدّ، ولا العدوّ الحنق الذي لا يطاق، فإنه ليس له حيلة إلا الهرب منه، وحيلة السبيل إلى القدرة على العدو وجود الغرة فيه، وأن يرى العدو أنه لا يتخذه عدواً، ثم يصادق أصدقاءه، فيدخل بينه وبينهم.
صيانة النفس ببذل أسباب النجاة..