فهرس الكتاب

الصفحة 8883 من 9994

إذا لقي الرجل عدوه في المواطن التي يعلم أنه فيها هالك سواء قاتل أم لم يقاتل، كان حقيقاً أن يقاتل عن نفسه كرماً وحفاظاً، ولا يمكِّنه من نفسه حتى يستفرغ ما عنده من الحيلة في قتاله، لأنه قد بنى أمره على التلف فلعل خلاصه في ذلك القتال، والهلاكُ واقع به كيف كان.

تكلف غير المستطاع..

من ذا الذي غالب القدر؟ ومن ذا الذي بلغ من الدنيا جسيماً من الأمور فلم يبطر؟ ومن ذا الذي بلغ مناه فلم يغتر؟ ومن ذا الذي تبع هواه فلم يخسر؟ ومن ذا الذي حادث النساء فلم يُصَب؟ ومن ذا الذي طلب من اللئام فلم يحرم؟ ومن ذا الذي خالط الأشرار فسلم؟ ومن ذا الذي صحب السلطان فدام له منه الأمن والإحسان؟.

لابد للعاقل من لباسين..

ألبس للناس لباسين ليس للعاقل بدٌّ منهم، ولا عيش ولا مروءة إلا بهما: لباسُ انقباض واحتجاز تلبسه للعامة، فلا تلفين إلا متحفظاً متشدداً متحرزاً مستعداً، ولباسُ انبساط واستئناس تلبسه للخاصة من الثقات، فتتلقاهم ببنات صدرك وتُفضي إليهم بموضع حديثك، وتضعُ عنك مؤونة الحذر والتحفظ فيما بينك وبينهم، وأهل هذه الطبقة الذين هم أهلها قليل، لأن ذا الرأي لا يُدخل أحداً من نفسه هذا المدخل إلا بعد الاختبار والسبر والثقة بصدق النصيحة ووفاء العهد.

أمن العدو مخاطرة..

العاقل لا يأمن عدوه على كل حال، إن كان بعيداً لم يأمن مغادرته، وإن كان قريباً لم يأمن مواثبته، والعاقل لا يخاطر بنفسه في الانتقام من عدوه، لأنه إن هلك في قصده قيل: أضاع نفسه، وإن ظفر قيل: القضاء فعله، والمعاداة بعد الخُلّة فاحشة عظيمة، لا يليق بالعاقل ارتكابها، فإن دفعه الوقت إلى ركوبها ترك للصلح موضعاً.

اتفاق الأرواح..

إن من الناس من إذا رآه المرء يعجب به، فإذا ازداد به علماً ازداد به عجباً، ومنهم من يبغضه حين يراه، ثم لا يزداد به علماً إلا ازداد به مقتاً، فاتفاقهما يكون باتفاق الروحين قديماً، وافتراقهما يكون بافتراقهما، وإذا ائتلفا ثم افترقا فراق حياة من غير بُغض حادث، أو فراق ممات، فهناك الموت الفظيع، والأسف الوجيع، ولا يكون موقف أطول غُمة، وأظهر حسرة وأدوم كآبة، وأشد تأسفاً، وأكثر تلهفاً من موقف الفراق بين المتواخيين، وما ذاق ذائق طعماً أمرَّ من فراق الخلّين وانصرام القرينين.

من صفات العقلاء الاعتذار عند كل زلة..

الاعتذار يذهب الهموم، ويُجلي الأحزان، ويدفع الحقد، ويذهب الصد، والإقلال منه تستغرق فيه الجنايات العظيمة والذنوب الكثيرة، والإكثار منه يؤدي إلى الاتهام وسوء الرأي، فلو لم يكن في اعتذار المرء إلى أخيه خصلة تُحمَد إلا نفي التعجب عن النفس في الحال، لكان الواجب على العاقل أن لا يفارقه الاعتذار عند كل زلة.

من أراد الفضائل فليعمل بالوصية..

لا تجادلن العلماء فتهون عليهم ويرفضوك، ولا تمارين السفهاء فيجهلوا عليك ويشتموك، فإنه يلحق بالعلماء من صبر ورأى رأيهم، وينجو من السفهاء من صمت وسكت عنهم، ولا تحسبن أنك إذا ماريت الفقيه إلا زدته غيظاً دائباً، ولا تحمين من قليل تسمعه فيوقعك في كثير تكرهه، ولا تفضح نفسك لتشفي غيظك، فإن جهل عليك جاهل فلينفعنّ إياك حلمك، وإنك إذا لم تحسن حتى يحسن إليك فما أجرُك؟، وما فضلك على غيرك؟.. فإذا أردت الفضيلة فأحسن إلى من أساء إليك، واعف عمن ظلمك، وانفع من لم ينفعك، وانتظر ثواب ذلك من قبل الله، فإن الحسنة الكاملة هي التي لا يريد صاحبها عليها ثواباً في الدنيا.

معالجة عيوب النفس..

العاقل لا يخفى عليه عيب نفسه، لأن من خفي عليه عيب نفسه خفيت عليه محاسن غيره، وإن من أشد العقوبة للمرء أن يخفى عليه عيبه، لأنه ليس بمقلع عن عيبه من لم يعرفه، وليس بنائل محاسن الناس من لم يعرفها، وما أنفع التجارب للمبتدي.

التواضع رفعة..

متواضع العلماء أكثرهم علم، كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماءاً.

تعاهد القلب وحراسته..

الواجب على العاقل الاهتمام بإصلاح سريرته، والقيام بحراسة قلبه عند إقباله وإدباره، وحركته وسكونه، لأن تكدر الأوقات وتنغص اللذات لا يكون إلا عند فساده.

فعلى العاقل أن لا ينسى تعاهد قلبه بترك ورود السبب الذي يورث القساوة له عليه، لأن بصلاح الملك تصلح الجنود، وبفساده تفسد الجنود، فإذا اهتم بإحدى الخصلتين تجنب أقربهما من هواه، وتوخى أبعدهما من الردى.

من جميل الخصال..

ثلاثة من أحسن الأشياء: جودٌ لغير ثواب، ونصب لغير دني، وتواضع لغير ذلة.

إيذاء من اطلع على السر مفسدة..

عجبا من المسيء الجوار، المؤذي لجاره، وهو مطلع على أخباره، وعالم بأسراره يجعله عدو، إن علم خيراً أخفاه، وإن توهم شرا أفشاه، فهو قذاة في عينه، لا يطرف عنه، وشجى في حلقه ما يتسوّغ معه، فليته إذ لم يكرم مثواه، كفّ عنه أذاه، فإنما المرء دنياه.

الحياء أصل الخير..

الواجب على العاقل لزوم الحياء، لأنه أصل العقل وبذر الخير، وتركه أصل الجهل وبذر الشر، والحياء يدل على العقل كما عدمه دال على الجهل، ومن لا ينصف الناس منه حياؤه، لم ينصف منهم قحته.

التواضع وخفض الجناح..

العاقل إذا رأى من هو أكبر سناً منه تواضع له، وقال: سبقني إلى الإسلام، وإذا رأى من هو أصغر سناً تواضع له، وقال: سبقته إلى الذنوب، وإذا رأى من هو مثله عده أخاً، فكيف يحسن تكبر المرء على أخيه، ولا يجب استحقار أحد، لأن العود المنبوذ ربما انتفع به فحك الرجل به أذنه.

ترك التجسس عن عيوب الناس..

الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه، فإنّ من اشتغل بعيوبه عن عيوب غيره أراح بدنه، ولم يتعب قلبه، فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه، وإن من اشتغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه عمي قلبه وتعب بدنه، وتعذر عليه ترك عيوب نفسه، وإن من أعجز الناس من عاب الناس بما فيهم، وأعجز منه من عابهم بما فيه.

والتجسس من شعب النفاق، كما أن حسن الظن من شعب الإيمان، و العاقل يحسن الظن بإخوانه، وينفرد بغمومه وأحزانه، كما أن الجاهل يسيء الظن بإخوانه، ولا يفكر في جناياته وأشجانه.

سوء الظن بالعدو مستحب..

من كان بينه وبين أحد من الناس عداوة أو شحناء في دين أو دنيا، يخاف على نفسه مكره، فحينئذ يلزمه سوء الظن بمكائده ومكره، لئلا يصادفه على غرة بمكره فيهلكه.

مجانبة الحسد نعمة..

الواجب على العاقل مجانبة الحسد على الأحوال كلها: فإن أهون خصال الحسد هو ترك الرضا بالقضاء، وإرادة ضد ما حكم الله جل وعلا لعباده، ثم انطواءُ الضمير على إرادة زوال النعم عن المسلم، والحاسد لا تهدأ روحه ولا يستريح بدنه إلا عند رؤية زوال النعمة عن أخيه، وهيهات أن يساعد القضاء ما للحساد في الأحشاء.

الحسد من أخلاق اللئام..

الحسد من أخلاق اللئام، وتركه من أفعال الكرام، ولكل حريق مطفئ و نار الحسد لا تطفأ، ومن الحسد يتولد الحقد، والحقد أصل الشر، ومن أضمر الشر في قلبه، أنبت له نباتاً مراًّ مذاقه، نماؤه الغيظ، وثمرته الندم.

الغضب بذر الندم..

سرعة الغضب من شيم الحمقى، كما أن مجانبته من زي العقلاء، والغضب بذر الندم، فالمرء على تركه قبل أن يغضب أقدرُ على إصلاح ما أفسد به بعد الغضب.

رب طامع تعب وذل ولم ينل بغيته..

العاقل يجتنب الطمع إلى الأصدقاء، فإنه مذلة، ويلزم اليأس عن الأعداء، فإنه منجاة، وتركه مهلكة، والإياس هو بذر الراحة والعز، كما أن الطمع هو بذر التعب والذل، فكم من طامع تعب وذل، ولم ينل بغيته، وكم من آيس استراح وتعزز، وقد أتاه ما أمل وما لم يأمل.

السؤال يورث المهانة..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت