الواجب على العاقل مجانبة المسألة على الأحوال كلها، ولزوم ترك التعرض، لأن الإفكار في العزم على السؤال يورث المرء مهانة في نفسه، ويحطه رتوة عن مرتبته، وترك العزم على الإكثار في السؤال يُورث المرء عزاً في نفسه، ويرفعه درجة عن مرتبته.
لزوم التكرم والعفاف..
العاقل لا يسأل الناس شيئاً فيردوه، ولا يُلح في المسألة فيحرموه، ويلزم التعفف والتكرم، ولا يطلب الأمر مدبراً، ولا يتركه مقبلاً، لأن فوت الحاجة خيرٌ من طلبها إلى غير أهلها، وإن من يسأل غير المستحق حاجة حط لنفسه مرتبتين، ورفع المسؤول فوق قدره.
التوكل نظام الايمان..
الواجب على العاقل لزوم التوكل على من تكفل بالأرزاق، إذ التوكل هو نظام الإيمان، وقرين التوحيد، وهو السبب المؤدي إلى نفور الفقر ووجود الراحة، وما توكل أحد على الله جل وعلا من صحة قلبه، حتى كان الله جل وعلا بما تضمن من الكفالة أوثق عنده بما حوته يده إلا لم يكله الله إلى عباده، وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب.
علو الهمة..
من لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب، ومن ترك الأمر الذي لعله يبلغ فيه حاجته هيبة ومخافة لما لعله أن يتوقاه فليس ببالغ جسيماً، وقد قيل: إن خصالاً ثلاثاً لن يستطيعها أحد إلا بمعونة من علو همة وعظيم خطر، منها: صحبة السلطان وتجارة البحر ومناجزة العدو.
توطين النفس على لزوم العفو..
الواجب على العاقل توطين النفس على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة، إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشد من الاستعمال بمثلها.
عاقبة العفو إلى خير..
الواجب على العاقل لزوم الصفح عند ورود الإساءة عليه من العالم بأسرهم، رجاء عفو الله جل و علا عن جناياته التي ارتكبها في سالف أيامه، لأن صاحب الصفح إنما يتكلف الصفح بإيثاره الجزاء، وصاحب العقاب وإن انتقم كان إلى الندم أقرب، فأما من له أخ يوده فإنه يحتمل عنه الدهر كله زلاته.
من خصال الكرام..
الكريم يلين إذا استُعطف، واللئيم يقسو إذا أُلطف، والكريم يُجل الكرام، ولا يُهين اللئام، ولا يؤذي العاقل، ولا يمازح الأحمق، ولا يعاشر الفاجر، مؤثراً إخوانه على نفسه باذلاً لهم ما ملك، إذا طلع على رغبة من أخ لم يدع مكافأتها، وإذا عرف منه مودة لم ينظر في قلق العداوة، وإذا أعطاه من نفسه الإخاء لم يقطعه بشيء من الأشياء.
والكريم من أعطاه شكره، ومن منعه عذره، ومن قطعه وصله، ومن وصله فضله، ومن سأله أعطاه، ومن لم يسأله ابتدأه، وإذا استُضعف أحد رحمه، وإذا استضعفه أحد رأى الموت أكرم له منه، واللئيم بضد ما وصفنا من الخصال كلها.
مراقبة عيوب الناس وترك عيوب النفس..
عجبت من الرجل يفرُّ من القدر وهو مواقعه، ومن الرجل يرى القذاة في عين أخيه ويدع الجذع في عينه، ومن الرجل يخرج الضّغن من موضع ويدع الضغن في نفسه، وما ندمت على أمر قط، فلُمت نفسي على تندمي عليه، وما وضعت سري عند أحد فلمته على أن يفشيه، كيف ألومه وقد ضقت به.
من أدب الاستشارة..
الواجب على العاقل إذا استشير قوم هو فيهم أن يكون آخر من يشير، لأنه أمكن من الفكر، وأبعد من الزلل، وأقرب من الحزم، وأسلم من السقط، ومَن استشار فلينفذ الحزم بأن لا يستشير عاجزاً، كما أن الحازم لا يستعين كسِلاً، وفي الاستشارة عين الهداية، ومن استشار لم يعدم رشداً، ومن ترك المشاورة لم يعدم عيّ، ولا يندم من شاور مرشداً.
صفات يكمل بها المرء..
من كان وفاؤه سجية، وطباعه كريمة، ورأى المكافأة بالإحسان تقصيرا حتى يتفضل، ولم يقصر عن معروف يُمكنه وإن لم يُشكَر، ويبذل جهده لمن امتحن وده فذلك الكامل.
من صفات السؤدد..
أربع يُسوّدْن العبد: الأدب، والصدق، وأداء الأمانة، والمروءة.
الحلم ممدوح..
ما ضُم شئ إلى شئ هو أحسن من حلم إلى علم، وما عدم شئ في شئ هو أوحش من عدم الحلم في العالم، ولو كان للحلم أبوان لكان أحدهما العقل والآخر الصمت، وربما يُدفع العاقل الوقت بعد الوقت إلى من لا يرضيه عنه الحلم ولا يقنعه عنه الصفح، فحينئذ يحتاج إلى سفيه ينتصر له، لأن ترك الحلم في بعض الأوقات من الحلم.
لزوم الرفق وترك العجلة..
الواجب على العاقل لزوم الرفق في الأمور كله، وترك العجلة والخِفة فيها، إذِ الله ـ تعالى ـ يحب الرفق في الأمور كلها، ومن مُنِع الرفق منع الخير، كما أن من أعطي الرفق أعطي الخير، ولا يكاد المرء يتمكن من بغيته في سلوك قصده في شئ من الأشياء على حسب الذي يُحبُّ إلا بمقارنة الرفق ومفارقة العجلة.
السعادة في العفاف والقناعة..
إن من أسعد الناس من كان في غناه عفيفاً، وفي مسكنه قنعاً، لأن من نزل به الفقر لم يجد بُداً من ترك الحياء، والفقرُ يذهب العقل والمروءة، ويذهب العلم والدب، وكاد الفقر أن يكون كفراً، ومن عُرف بالفقر صار مَعْدِناً للتهمة، ومجمعاً للبلايا، اللهم إلا أن يرزق المرء قلباً نقياً قنعاً، يرى الثواب المدَّخر من الضجر الشديد، فحينئذ لا يبالي بالعالم بأسرهم والدنيا وما فيها، والفقر داعية إلى المَهانة، كما أن الغنى داعية إلى المهابة.
من أراد بلوغ حاجته..
لا يجب على العاقل أن يتوسل في قضاء حاجته بالعدو، ولا بالأحمق، ولا بالفاسق، ولا بالكذَّاب، ولا بمن له عند المسؤول طعمه، ولا يجب أن يجعل حاجتين في حاجة، ولا أن يجمع بين سؤال وتَقاض، ولا يظهر شدة الحرص في اقتضاء حاجته، فإن الكريم يكفيه العلم بالحاجة دون المطالبة والاقتضاء.
لا تغتر بزهرة الدنيا..
الواجب على العاقل أن لا يغتر بالدنيا وزهرتها، وحسنها و بهجتها، فيشتغل بها عن الآخرة الباقية، والنعم الدائمة، بل ينزلها حيث أنزلها الله، لأن عاقبتها لا محالة تصير إلى فناء، يخرب عمرانها، ويموت سكانها، وتذهب بهجتها وتبيد خُضرْتها، فلا يبقى رئيس متكبر مؤمر، ولا فقير مسكين محتقر، إلا ويجري عليهم كأس المنايا، ثم يصيرون إلى التراب، فيبلون حتى يرجعوا إلى ما كانوا عليه في البداية إلى الفناء، ثم يرث الأرض ومن عليها علام الغيوب، فالعاقل لا يركن إلى دار هذا نعتها، ولا يطمئن إلى دنيا هذه صفتها، وقد ادخر له ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيضن بترك هذا القليل، ويرضى بفوت ذلك الكثير.
تلمس القلوب..
إذا أردت أن تعلم عدوك من صديقك ففكر في نفسك فإن لم يكن قلبك له سليماً فاعلم أنه لك كذلك.
البلاء في الدنيا يسوقه الحرص والشره..
البلاء في الدنيا يسوقه الحرص والشره، لأنهما لا يزالان يدخلان صاحبهما من شيء إلى شيء، و الأشياء لا تنفذ ولا تنتهي ولا يزال صاحب الدنيا في بلية وتعب ونصب، ووجدت ركوب الأهوال وتجشم الأسفار البعيدة في طلب الدنيا أهون من بسط اليد إلى السخيّ بالمال، فكيف بالشحيح به، ولم أرَ كالرضى شيئاً، ووجدت العلماء قد قالوا: لا عقل كالتدبير، ولا ورع ككف الأذى، ولا حسب كحسن الخلق، ولا غنى كالرضى، وأحق ما صبّر الإنسانُ على الشئ نفسه، وأفضل البر الرحمة، ورأس المودة الاسترسال، ورأس العقل معرفة ما يكون مما لا يكون، وقالوا: الخرس خير من اللسان الكذوب، والضر والفقر خير من النعمة والسعة من أموال الناس.
الحذر من العدو..
قارب عدوك بعض المقاربة لتنال حاجتك ولا تقاربه كل المقاربة فيجترئ عليك ويضعف جندك وتذل نفسك، ومثل ذلك مثل الخشبة المنصوبة في الشمس إذا أملتها زاد ظلها، وإذا جاوزت بها الحد في إمالتها نقص الظل.
ولا خير للضعيف في قرب العدو القوي، ولا الذليل في قرب العدو العزيز.
إذا أرسلت رسولا فابعث ذا أدب..