فهرس الكتاب

الصفحة 8886 من 9994

لعمري لا يستطيع أحد أطال صحبة صاحب أن يحترس في كلّ شيء من أمره، ولا يتحفظ من أن يكون منه كبيرة أو صغيرة يكرهها صاحبه، ولكن الرجل ذا العقل والوفاء إذا سقط عنده صاحبه سقطة نظر فيها وعرف قدر مبلغ خطئِه عمداً كان أو خطأ، ثم ينظر هل في الصفح عنه أمر يخاف ضرره وشينه، فلا يؤاخذ صاحبه بشيء يجد فيه إلى الصفح عنه سبيلاً.

مودة من لا وفاء له مضيعة..

لا شيء أضيع من مودة تمنح لمن لا وفاء له، وحباء يصطنع عند من لا شكر له وأدب يحمل إلى من لا يتأدب به ولا يسمعه، وسر يستودع من لا يحفظه، وإن الشجرة المرة لو طليت بالعسل لم يجْدِها ذلك شيئاً، وإن صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الشر، كالريح إذا مرت بالطيب حملت طيباً، وإذا مرت بالنتن حملت نتناً.

التماس الأخوة بغير وفاء حمق..

العاقل يتفقد ترك الجفاء مع الإخوان، ويراعي محوها إن بدت منه، ولا يجب أن يستضعف الجفوة اليسيرة، لأن من استصغر الصغير يوشك أن يجمع إليه صغيراً، فإذا الصغير كبير، بل يبلغ مجهوده في محوها، لأنه لا خير في الصدق إلا مع الوفاء، كما لا خير في الفقه إلا مع الورع، وإن من أخرق الخرق التماس المرء الإخوان بغير وفاء، وطلب الأجر بالرياء، ولا شيء أضيع من مودة تمنح من لا وفاء له، وصنيعة تصطنع عند من لا يشكرها.

مشاورة الإخوان..

من كتم السلطان نصيحته، والأطباء مرضه، والإخوان رأيه، فقد خان نفسه، ومن التمس الرخص من الإخوان عند المشاورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن الفقهاء عند الشبهة فقد أخطأ منافع الرأي، وازداد فيما وقع فيه من ذلك تورط، وحمل الوزر.

ميراث الصحبة..

العاقل يلزم صحبة الأخيار، ويفارق صحبة الأشرار، لأن مودة الأخيار سريع اتصاله، بطئٌ انقطاعها، ومودة الأشرار سريع انقطاعه، بطئٌ اتصالها، وصحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار، ومن خادن الأشرار لم يسلم من الدخول في جملتهم، فالواجب على العاقل أن يجتنب أهل الريب، لئلا يكون مريباً، فكما أن صحبة الأخيار تورث الخير، كذلك صحبة الأشرار تورث الشر.

تدنيس العرض بصحبة الأشرار..

العاقل لا يُدنس عرضه، ولا يعود نفسه أسباب الشر بلزوم صحبة الأشرار، ولا يُغضي عن صيانة عرضه ورياضة نفسه بصحبة الأخيار، على أن الناس عند الخبرة يتبين منهم أشياء ضد الظاهر منها.

الوحدة خير من جليس السوء..

لصاحبٌ صالحٌ خير من الوحدة، والوحدة خير من صاحب السوء، ومملي الخير خير من الساكت، والساكت خير من مملي الشر.

صحبة السوء قطعة من النار..

العاقل لا يصاحب الأشرار، لأن صحبة صاحب السوء قطعة من النار، تُعقب الضغائن، فلا يستقيم وده، ولا يفي بعهده، وإن من سعادة المرء خصالاً أربعاً: أن تكون زوجته موافقة، وأولاده أبراراً، وإخوانه صالحين، وأن يكون رزقه في بلده، وكل جليس لا يستفيد المرء منه خير، تكون مجالسة الكلب خير من عشرته، ومن يصحب السوء لا يسلم، كما أن من يدخل مداخل السوء يتهم.

من كان أصدقاؤه أشرارا فهو شرهم..

الواجب على العاقل أن يستعيذ بالله من صحبة من إذا ذكر الله لم يُعنْه، وإن نسي لم يذكره، وإن غفل حرضه على ترك الذكر، ومن كان أصدقاؤه أشراراً كان هو شرهم، وكما أن الخيِّر لا يصحب إلا البررة، كذلك الرديّ لا يصحب إلا الفجرة، والواجب على المرء إذا اضطره الأمر أن يصحب أهل المروءات.

إغاظة الحاسد في اكتساب الفضائل..

إن حسدك أحد من إخوانك على فضيلة ظهرت منك فسعى في مكروهك أو تقوّل عليك مالم تقل، فلا تقابله بمثل ما قابلك به، فيعذر نفسه في الإساءة، وتشرع له طريقا لما يحبه فيك، ولكن اجتهد في التزيد من تلك الفضيلة التي حسدك عليه، فإنك تسوؤه من غير أن توجه عليك حجة.

ربما انتفع المرء بحاسده..

أعداء المرء في بعض الأوقات ربما كانوا أنفع من إخوانه، لأنهم يهدون إليه عيوبه فيتجنبه، ويخاف شماتتهم فيضبط نعمته، ويتحرز من زوالها بمقدار جهده.

الصاحب ساحب..

لا تصحب الشرير، فإن طبعك يسرق من طبعه سرّا وأنت لا تعلم.

من رزقه الله مودة امرئ فيليتمسك بها..

الواجب على العاقل إذا رزقه الله ودَّ امرئٍ مسلمٍ صحيحِ الوداد محافظٍ عليه، أن يتمسك به، ثم يوطن نفسه على صلته إن صَرَمه، وعلى الإقبال عليه إن صَدّ عنه، وعلى البذل له إن حرمه، وعلى الدنو منه إن باعده، حتى كأنه ركن من أركانه، وإنَّ من أعظم عيب المرء تلونه في الوداد.

شر الإخوان من خذل إخوانه..

شر المال ما لا إنفاق فيه، وشر الأزواج التي لا تؤاتي بعلها، وشر الولد العاصي العاق لوالديه، وشر الإخوان الخاذل لأخيه عند النكبات والشدائد، والذي يحصي السيئات ويترك الحسنات، وشر الملوك الذي يخافه البريء ولا يواظب على حفظ أهل مملكته، وشر البلاد بلاد بلا خصب فيها و لا أمن.

من صحب قوما عُرِف بهم..

العاقل يجتنب مماشاة المريب في نفسه، ويفارق صحبة المتهم في دينه، لأن من صحب قوماً عُرف بهم، ومن عاشر امرءاً نُسب إليه، والرجل لا يصاحب إلا مثله أو شكله، فإذا لم يجد المرء بداً من صحبة الناس تحرى صحبة من زانه إذا صحبه، ولم يشنه إذا عرف به، وإن رأى منه حسنة عدّها، وإن رأى منه سيئة سترها، وإن سكت عنه ابتدأه، وإن سأله أعطاه.

من صحح الحال مع إخوانه لم يضره قلة الالتقاء بهم..

من صحح الحال بينه وبين الإخوان لم يضره قلة الاجتماع، لاستحكام الحال بينهما، والمودة إذا أضرّ بها قلة الالتقاء تكون مدخولة، وأما من لم يحلّ في نفسه صحة الحال، ولم يستحكم أسباب الوداد، فالتوقي من الإكثار في الزيارة أولى به، لئلا يستثقل ويمل.

مجاورة رجال السوء.. مهلكة..

إن مجاورة رجال السوء والمصاحبة لهم كراكب البحر، إن هو سلم من الغرق لم يسلم من المخاوف، فإذا أورد نفسه موارد الهلكات ومصادر المخوفات عُد من الحمير التي لا نفس لها، لأن الحيوانات البهيمية قد خُصت في طبائعها بمعرفة ما تكتسب به النفع وتتوقى المكروه، وذلك أننا لم نرها تُورد أنفسها مورداً فيه هلكتها، وإنها متى أشرفت على مورد مهلك لها مالت بطبائعها التي ركبت فيها، شحاً بأنفسها وصيانة لها إلى النفور والتباعد عنه.

لا تؤذي صاحب صاحبك..

ليعلم صاحبك أنك حدب على صاحبه، وإياك إن عاشرك امرؤ ورافقك أنْ لا يرى منك بأحد من أصحابه وأخدانه رأفة، فإن ذلك يأخذ من القلوب مأخذ، وإن لطفك بصاحب صاحبك أحسن عنده موقعاً من لطفك به نفسه.

فراق الأحبة..

لا عيش بعد فراق الأحبة، وإذا فارق الأليف أليفه فقد سلب فؤاده، وحرم سروره وغشي على بصره.

إخوان الصدق خير مكاسب الدنيا..

اعلم أن إخوان الصدق هم خير مكاسب الدنيا، زينة في الرخاء، وعدة في الشدة، ومعونة في المعاش والمعاد، فلا تفرطن في اكتسابهم وابتغاء الوصلات والأسباب إليهم.

تعاهد الصداقة..

ينبغي للعاقل أن يربي صداقة صديقه بجميل الفعل، وحسن التعاهد، كما يُربي الطفل الذي ولد له، والشجرة التي يغرسه، فإن ثمرتها ونضارتها بحسن الافتقاد والتعاهد.

مشاركة الصديق فيما ابتلي به..

إذا نابت أخاك إحدى النوائب من زوال نعمة أو نزول بلية، فاعلم أنك قد ابتليت معه إما بالمواساة فتشاركه في البلية، وإما بالخذلان فتحتمل العار، فالتمس المخرج عند اشتباه ذلك، وآثر مروءتك على ما سواها، فإنْ نزلت الجائحة التي تأبى نفسك مشاركة أخيك فيها فأجمل، فلعل الإجمال يسعك لقلته في الناس.

مؤانسة ذوي الألباب..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت