فهرس الكتاب

الصفحة 8887 من 9994

على العاقل أن يؤنس ذوي الألباب بنفسه ويجرئهم عليها حتى يصيروا حرساً على سمعه وبصره ورأيه، فيستنيم إلى ذلك ويريح له قلبه، ويعلم أنهم لا يغفلون عنه إذا هو غفل عن نفسه.

مصاحبة ذوي الفضل والأدب..

على العاقل أنْ لا يخادن ولا يصاحب ولا يجاور من الناس ـ ما استطاع ـ إلا ذا فضل في الدين والعلم والأخلاق، فيأخذ عنه، أو موافقاً له على إصلاح ذلك فيؤيد ما عنده وإن لم يكن له عليه فضل، فإن الخصال الصالحة من البر لا تحيا ولا تنمى إلا بالموافقين والمهذبين والمؤيدين، وليس لذي الفضل قريب ولا حميم هو أقرب إليه وأحب ممن وافقه على صالح الخصال فزاده وثبته، لذلك زعم بعض الأولين أن صحبة بليد نشأ مع العلماء أحب إليهم من صحبة لبيب نشأ مع الجهال.

مجاورة الجاهل شر لا يؤمن..

لا يؤمننك شر الجاهل قرابة ولا جوار ولا ألف، فإن أخوف ما يكون الإنسان لحريق النار أقرب ما يكون منها، وكذلك الجاهل إن جاورك أنصبك، وإن ناسبك جنى عليك، وإن ألفك حمل عليك ما لا تطيق، وإن عاشرك آذاك وأخافك، مع أنه عند الجوع سبع ضار، وعند الشبع ملك فظ، وعند الموافقة في الدين قائد إلى جهنم، فأنت بالهرب منه أحق منك بالهرب من سم الأساود، والحريقِ المخوف، والدينِ الفادح، والداءِ العياء.

أفضل الميراث ثناء حسن وأدب نافع..

أفضل ما ورث أبٌ ابناً ثناء حسن وأدب نافع، والخرس خير من البيان بالكذب، كما أن الحصور خير من العاهر، فيجب على العاقل أن يذكي قلبه بالأدب، كما يذكي النار بالحطب، لأن من لم يذك قلبه ران حتى يَسْوَدَّ، ومن تعلم الأدب فلا يتخذه للمماراة عُدَّة، ولا للمباراة ملجأً، ولكن يقصد الانتفاع بنفسه، وليستعين به على ما يقربه إلى بارئه.

من خصال الخير والأدب..

إن من أحسن خصال المرء، الجود من غير امتنانٍ ولا طلبِ ثواب، والحلم من غير ضعف ولا مهانة، وأصل الجود ترك الضَّنِّ بالحقوق عن أهلها، كما أن أصل تربية الجسد أن لا يحمل عليه في الأكل و الشرب والباه، فكما لا تنفع المروءةُ بغير تواضع، ولا الحفظُ بغير كفاية، كذلك لا ينفع العيشُ بغير مال، ولا المالُ بغير جود، وكما أن القرابة تبعٌ للمودة، كذلك المحمدة تتبع للإنفاق.

المَلِكُ من ملك القلوب..

ليس الملك من ملك العبيد والعامة، بل من ملك الأحرار وذوي الفضائل، ولا الغني من جمع المال، ولكن من دبره وأحسن إمساكه وتصريفه.

أحق الناس بالرحمة..

أحق الناس بالرحمة ثلاثة: البَرُّ يكون في سلطان الجاهل، فهو الدهرَ حزين لما يرى ويسمع، والعاقل في تدبير الجاهل، فهو الدهرَ مُتعب مغموم، والكريم يحتاج إلى اللئيم، فهو الدهرَ خاضع ذليل.

وتَضيعُ أمورُ الناس إذا كان الرأيُ عند من لا يُقبل منه، والسلاحُ عند من لا يستعمله، والمالُ عند من لا ينفقه، وتتلقى النعمة من الله تعالى بكثرة شكره، ولزوم طاعته، واجتناب معصيته.

إيثار النفس بالأدب..

على العالم أن يبدأ بنفسه ويؤدبها بعلمه، ولا تكون غايته اقتناءه العلم لمعاونة غيره ونفعه به وحرمان نفسه منه، ويكون كالعين التي يشرب الناس ماءها وليس لها في ذلك شيء من المنفعة، وكدودة القز التي تُحكم صنعته ولا تنتفع به.

من ارتدى رداء الجود رأس أشكاله وأضداده..

ما رؤي أحدٌ من الشرق إلى الغرب، ارتدى برداء الجود واتَّزر بإزار ترك الأذى، إلا رأس أشكاله وأضداده، وخضع له الخاص والعام، فمن أراد الرفعة العالية في العقبى، والمرتبة الجليلة في الدنيا، فليلزم الجود بما ملك، وترك الأذى إلى الخاص والعام، ومن أراد أن يهتك عرضه، ويثلم دينه، ويَمَلّه إخوانه، ويستثقله جيرانه، فليلزم البخل.

حسن الفضائل بإتمامها..

العاقل يبتدئ بالصنائع قبل أن يسأل، لأن الابتداء بالصنيعة أحسن من المكافأة عليها، والإمساك عن التعرض خير من البذل، والصنائع إنما تحسن بإتمامه، والتحافظ عليها بعدها، لأن بصلاح الخواتم تزكو الأوائل، والعطية بعد المنع أجمل من المنع بعد العطية.

المروءة..

اختلف الناس في كيفية المروءة: فمن قائلٍ قال: المروءة ثلاثة: إكرام الرجل إخوان أبيه، وإصلاحه ماله، وقعوده على باب داره.

ومن قائل قال: المروءة: إتيان الحق، وتعاهد الضيف.

ومن قائل قال: المروءة: تقوى الله، وإصلاح الضيعة، والغداء والعشاء في الأفنية.

ومن قائل قال: المروءة: إنصاف الرجل من هو دونه، والسمو إلى من هو فوقه، والجزاء بما أُتي إليه.

ومن قائل قال: مروءة الرجل: صدق لسانه، واحتماله عُثرات جيرانه، وبذله المعروف لأهل زمانه، وكَفُّه الأذى عن أباعده وجيرانه.

ومن قائل قال: إن المروءة: التباعد من الخلُق الدَّنِيِّ فقط.

ومن قائل قال: المروءة: أن يعتزل الرجل الريبة، فإنه إذا كان مريباً كان ذليلاً، وأن يصلح ماله، فإن من أفسد ماله لم يكن له مروءة، والإبقاء على نفسه في مطعمه ومشربه.

ومن قائل قال: المروءة: حسن العشرة، وحفظ الفرج واللسان، وترك المرء ما يعاب منه.

ومن قائل قال: المروءة: سَخَاوة النفس، وحسن الخلق.

ومن قائل قال: المروءة: العِفَّة والحِرْفة، أي يَعفُّ عما حرم الله، ويحترف فيما أحل الله.

ومن قائل قال: المروءة: كثرة المال والولد.

ومن قائل قال: المروءة: إذا أُعطيت شكرت، وإذا ابْتُلِيت صبرت، وإذا قدرت غفرت، وإذا وعدت أنجزت.

ومن قائل قال: المروءة: حسن الحيلة في المطالبة، ورقة الظرف في المكاتبة.

ومن قائل قال: المروءة: اللطافة في الأمور، وجودة الفطنة.

ومن قائل قال: المروءة: مجانبة الريبة، فإنه لا ينبُل مريب، وإصلاح المال، فإنه لا ينبُل فقير، وقيامه بحوائج أهل بيته، فإنه لا ينبل من احتاج أهل بيته إلى غيره.

ومن قائل قال: المروءة: النظافة، وطيب الرائحة.

ومن قائل قال: المروءة: الفصاحة، والسماحة.

ومن قائل قال: المروءة: طلب السلامة، واستعطاف الناس.

ومن قائل قال: المروءة: مراعاة العهود، والوفاء بالعقود.

ومن قائل قال: المروءة: التذلل للأحباب بالتملق، ومداراة الأعداء بالترفق.

ومن قائل قال: المروءة: ملاحة الحركة، ورقة الطبع.

ومن قائل قال: المروءة: هي المفاكهة، والمباسمة.

تفقد الأسباب التي تثلم المروءة..

الواجب على العاقل تفقد الأسباب المستحقرة عند العوام من نفسه حتى لا يثلم مروءته، فإن المحقرات من ضد المروءات، تؤذي الكامل في الحال بالرجوع في القهقرى إلى مراتب العوام وأوباش الناس.

المروءة ترفع صاحبها..

إن المنازل متنازعة مشتركة على قدر المروءة، فالمرء ترفعه مروءته من المنزلة الوضيعة إلى المنزلة الرفيعة، ومن لامروءة له يحط نفسه من المنزلة الرفيعة إلى المنزلة الوضيعة، وإن الارتفاع إلى المنزلة الشريفة شديد والانحطاط منه هين، كالحجر الثقيل رفعه من الأرض إلى العاتق عسر ووضعه إلى الأرض هين.

وإن الرجل ذا النبل المروءة يكون خامل الذكر منخفض المنزلة، فتأبى منزلته إلا أن تشب وترتفع، كالشعلة من النار يضربها صاحبها وتأبى إلا إرتفاعاً.

لباس أهل المروءة..

اعلم أنك واجد رغبتك من الإخاء عند أقوام قد حالت بينك وبينهم بعض الأبهة التي تعتري أهل المروءات فتحجز منهم كثيراً ممن يرغب في أمثالهم، فإذا رأيت أحداً من أولئك قد تعثر فأقله.

الخيّر من ترفع عن ذكر معايب الناس..

الأخيار يترفعون عن ذكر معايب الناس، ويتهمون المُخبِر به، ويؤثرون الفضائل ويتعصبون لأهله، ويستصغرون فضائل الروساء، ويطالبون أنفسهم بالمكافأة عليها وحسن الرعاية لها.

فضل المال ومدح الغنى..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت