تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، ومن حسن الاستماع، إمهال المتكلم حتى يقضي حديثه، وقلة التلفت إلى الجواب، والإقبال بالوجه والنظر إلى المتكلم، والوعي لما يقول، واعلم أن المستشار ليس بكفيل، والرأي ليس بمضمون، بل الرأي كله غرر، لأن أمور الدنيا ليس شيء منها بثقة، ولأنه ليس شيء من أمرها يدركه الحازم إلا وقد يدركه العاجز، بل ربما أعيا الحزمة ما أمكن العجزة، فإذا أشار عليك صاحبك برأي فلم تجد عاقبته على ما كنت تأمل، فلا تجعل ذلك عليه لوماً وعذلاً، تقول: أنت فعلت هذا بي، وأنت أمرتني، ولولا أنت لم أفعل، ولا جرم لا أطيعك بعدها، فإن هذا كله ضجر ولؤم وخفة، وإن كنت أنت المشير فعمل برأيك أو تركه فبدا صوابك، فلا تمن ولا تكثرن ذكره إن كان فيه نجاح، ولا تلمه عليه إن كان استبان في تركه ضرراً بأن تقول: ألم أقل لك؟ ألم أفعل؟، فإن هذا مجانب لأدب الحكماء.
النساء أشباه وما يُرى في العيون خدعة..
اعلم أن من أوقع الأمور في الدين، وأنهكها للجسد، وأتلفها للمال، وأضرها بالعقل، وأسرعها في ذهاب الجلالة والوقار، الغرام بالنساء، ومن البلاء على المغرم بهن أنه لا ينفك يحقر ما عنده وتطمح عيناه إلى ما ليس عنده منهن، وإنما النساء أشباه ومايرى في العيون والقلوب من فضل مجهولاتهن على معروفاتهن باطل وخدعة، بل كثير مما يرغب عنه الراغب مما عنده أفضل مما تتوق إليه نفسه منهن، وإنما المترغب عما في رحله منهن إلى ما في رحال الناس، كالمترغب عن طعام بيته إلى ما في بيوت الناس، بل النساء أشبه من الطعام بالطعام، وما في رحال الناس من الأطعمة أشد تفاضلاً وتفاوتاً مما في رحالهم من النساء.
الزيادة في الشيء تنقله إلى ضده..
اعلم أن بعض العطية لؤم، وبعض البيان عي وبعض العلم جهل، فإن استطعت أن لا يكون عطاؤك خوراً، ولا بيانك هذراً، ولا علمك جهلاً، فافعل.
لا تنتقص الناس بعيب هو فيك..
اعرف عوراتك وإياك أن تعرِّض بأحد فيما شاركها، وإذا ذكرت من أحد خليقة فلا تناضل عنه مناضلة المدافع عن نفسه فتُتهم بمثلها، ولا تلح كل الإلحاح، وليكن ما كان منك من غير اختلاط، فإن الاختلاط من محققات الريب، وإذا كنت في جماعة قوم فلا تعمن جيلاً من الناس أو أمة بشتم ولا ذم، فإنك لا تدري لعلك تتناول بعض أعراض جلسائك ولا تعلم، ولا تذمن مع ذلك اسماً من أسماء الرجال أو النساء، بأن تقول: هذا لَقبيح من الأسماء، فإنك لا تدري لعل ذلك موافق لبعض جلسائك في بعض أسماء الأهلين والحرم ولا تستصغرنّ من هذا شيئ، فكله يجرح في القلب، واللسان أشد من جرح اليد.
ذكر الموت عصمة من الأشرار..
أفضل ذوي الألباب أشدهم لنفسه أخذ، وأقلهم عنها فترة، وعلى العاقل أن يذكر الموت في كل يوم وليلة مراراً، ذكراً يباشر به القلوب، ويقذع الطماح، فإن في كثرة ذكر الموت عصمة من الأشرار، وأماناً بإذن الله من الهلع.
لا تستصغر الخطأ..
على العاقل أن لا يستصغر شيئاً من الخطأ في الرأي، والزلل في العلم، والإغفال في الأمور، فإن من استصغر الصغير، أوشك أن يجمع إليه صغيراً وصغيراً فإذا الصغير كبير، وإنما هي ثلم يثلمها العجز و التضييع، فإذا لم تسد أوشكت أن تنفجر بما لا يطاق، ولم نر شيئاً قط إلا وقد أوتي من قبل الصغير المتهاون به.
مما يعرف به العالم..
مما يدل على علم العالم معرفته بما يدرك من الأمور، وإمساكه عما لا يدرك، وتزيينه نفسه بالمكارم، وظهور علمه للناس من غير أن يظهر منه فخر ولا عجب، ومعرفته بزمانه الذي هو فيه، وبصره بالناس، وأخذه بالقسط، وإرشاده المسترشد، وحسن مخالفته خلطاءه، وتسويته بين قلبه ولسانه، وتحريه العدل في كل أمر، ورحب ذرعه فيما نابه، واحتجاجه بالحجج فيما عمل، وحسن تبصيره.
لكل طريق ما يدل عليه..
من أراد أن يبصر شيئاً من علم الآخره فبالعلم الذي به يعرف ذلك، ومَن أراد أن يبصر شيئاً من علم الدنيا، فبالأشياء التي هي تدل عليه.
الاستشارة زيادة في العقل..
إن المستشير وإن كان أفضل من المستشار رأياً فهو يزداد برأيه رأياً، كما تزداد النار بالودك ضوءاً، وعلى المستشار موافقة المستشير على صواب ما يرى، والرفق به في تبصير خطئه إن أتى به، وتقليب الرأي فيما شكّا فيه حتى تستقيم لهما مشاورتها.
ثلاث لا يسلم منهن إلا قليل..
إن ثلاثة لا يجترئ عليهن إلا أهوج ولا يسلم منهن إلا قليل، وهي: صحبة السلطان، وائتمان النساء على الأسرار، وشرب السم للتجربة.
رؤساء القوم أشد الناس بلاء..
رؤساء القوم أعظمهم هموماً، وأدومهم غموماً، وأشغلهم قلوباً، وأشهرهم عيوباً، وأكثرهم عدواً، وأشدهم أحزاناً، وأنكاهم أشجاناً، وأكثرهم في القيامة حساباً، وأشدهم ـ إن لم يَعفُ الله عنهم ـ عذاباً، ومن أحسن ما يستعين به السلطان على أسبابه، اتخاذ وزير عفيف ناصح، فإن الوزير إذا غفل الأمير ذكَّرَهُ، وإن ذكر أعانه، وإن سولت له نفسه سيئة صدّه، وإن أراد طاعة نَشَّطه، فهو المحبب له إلى الناس، والمستجلب له دعاءهم.
من أدب السلطان..
ينبغي للسلطان أن لا يلج في تضييع حق ذوي الحقوق، فإن عاقبة ذلك رديئة حتى ممن لا يتوقع أذاه، والناس في ذلك رجلان: رجل طبعه الشراسة فهو كالحية إن وطئها الواطيء فلم تلدغه لم يكن جديراً أن يغره ذلك فيعود إلى وطئها ثانية فتلدغه، ورجل أصل طباعه السهولة فهو كالصندل البارد الذي إذا أفرط في حكه صار حاراً مؤذياً.
إن الرجل الذي يحضر باب الملك إذا كان قد أُطيلت جفوته من غير جرم كان منه، أو كان قد أصابه ضر وضيق فلم ينعشه، أو كان قد اجترم جرماً فهو يخاف العقوبة منه، أو كان يرجو شيئاً يضر الملك وله منه نفعاً، أو يخاف في شيء ـ مما ينفعه ـ ضراً، أو كان لعدو الملك سلماً ولسلمه حرباً، أو كان قد حيل بينه وبين ما في يديه من السلطان، أو باعده أو طرده، فليس السلطان بحقيق أن يعجل في الاسترسال إلى هؤلاء، والثقة بهم، والائتمان لهم.
وينبغي للملك أن يتحصن من جيوشه بالإنصاف، ومن شرار دولته بالإخافة، وعلى الملك أن يعمل بثلاث خصال: تأخير العقوبة في سلطان الغضب، وتعجيل المكافأة للحَسَن، والعمل بالأناة فيما يحدث، فإن له في تأخير العقوبة إمكان العفو.
بطانة السوء تمنع خير السلطان..
إن السلطان إذا كان صالح، ووزراؤه وزراء سوء منعوا خيره، فلا يقدر أحد أن يدنو منه، ومثله في ذلك مثل الماء الطيب الذي فيه التماسيح، لا يقدر أحد أن يتناوله وإن كان إلى الماء محتاجاً، وإنما الملك زينته أن يكون جنوده ووزراؤه ذوي صلاح، فيسددون أحوال الناس، وينظرون في صلاحهم.
مما يعرف به فضل الملوك..
فضل الملوك على قدر خدمتهم لشرائعهم، وإحيائهم سننها، ونقصُهم على قدر إغفالها، وذلك: أن خدمة الشريعة تحركهم للعمل، وإلى أن يعطوا من أنفسهم ما يجب عليه، كما يأخذون من خاصتهم وعامتهم ما يجب عليهم، والمُغفِلُ لخدمة الشريعة من الملوك يأخذ من الخاصة والعامة ولا يعطيها، فهو ناقص، إذْ كان خارجا عن سلطان العدل.
الملك بالأعوان..