فهرس الكتاب

الصفحة 8895 من 9994

حَيّرَتْنِي الحال التي بدا عليها، ولم أعرف كيف أبدأ بمفاتحته بالموضوع؟..كنت فرحة وأنا أزف له البشرى، بينما انهمر هو بالبكاء وهو يردد..لم يعد هناك فائدة.

اقتربت منه أستفسر، ولكنه ابتعد صارخاً..أنا مريض.. مصاب بالإيدز، وحمل حقيبته بسرعة وخرج.

لم أشعر بكراهيتي له مثلما شعرت بها تلك اللحظة، والسؤال يحوم في عقلي: وماذا بشأني؟، وما أدراني إذا ما كنت قد التقطت المرض أم لا؟

ولو ثبت أنني لم أُصَبْ، وأن طفلي سليم.. فأي حياة تنتظره وأبوه حياته محكوم عليها بالإعدام بذلك الداء اللعين؟.."اهـ."

نعم، هي ضحية استهتار زوجها..

وهو ـ أيضاً ـ وقع ضحية لهذا الداء الخبيث، الذي انتشر انتشاراً ذريعاً بسبب الفاحشة والانحراف الأخلاقي، والبحث عن الشهوة المحرمة.

إن هذا المرض عقوبة من رب العالمين لهؤلاء المنحرفين، وصدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حيث قال:"لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يُعلنوا بها، إلا فشا بهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم" [10] .

وفي كل زمن نرى نبوة النبي صلى الله عليه وسلم تتحقق، فالسعيد من انتصر على نفسه، وألجمها لجام التقوى، حتى يأتيه الأجل وهو على ذلك، {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم تُوفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} .

نهاية محزنة ولكنها حقيقية..

تستغرب بعض النساء حين يهجرها عشيقها الذي كانت معه فترة من الزمن، وقد أرخصت له كل شيء، وأعطته أسرار حياته، فتجدها حائرة مذهولة، تدور حول نفسها، وتفكر كثيراً وتتساءل عن سبب هجرانه لها بعد هذه المدة، وما هو الشيء الذي ينقصها حين يتركها، ويذهب ليتزوج من امرأة أخرى؟‍..

فهذه إحدى الضحايا وقفت تتأوه من الألم، وتتعالى شهقاتها وهي تسرد قصتها، فتقول:

"تعرّفت على رجل، ومنحته قلبي وعقلي، واستمرّت علاقتنا لسنتين، ولكنه عندما طلبت منه أن يحدد نوع العلاقة رفض وأصبح رجلاً آخر لا أعرفه، واختار لنفسه زوجة أخرى لم يعرفها من قبل، وانتهت علاقتي به لتبدأ علاقة جديدة مع رجل ظالم آخر، حاولت أن أنسى به حُبِّي الأول وغدر الرجل السابق، ومنحته عواطفي، وجاءت اللحظة الحاسمة التي تخلّى فيها عَنِّي، فلم يقلّ نذالة وخِسَّة عن الأوّل، فقد اختار إنسانة لا يعرفها عندما قرر الزواج."

وهكذا حطمني الرجال، واحداً تلو الآخر، فأصبحت إنسانة محطّمة، أحمل نفساً ضائعة، وأخلاقاً بائسة.

أنا لا ألوم أحداً.. إنما ألوم نفسي وظروفي التي جعلتني عرضة لهؤلاء"اهـ."

هذه الكلمات باحت بها تلك الفتاة وهي غافلة عن سبب هجران الرجال له، مما جعلها تتساءل في حيرة؟، والمشكلة أن هذه ليست حالة خاصة بها فقط، إنما هذه الواقعة تهمُّ كثيراً من الفتيات اللاتي خلعن جلباب الحياء، وسِرْنَ وراء بعض العابثين.

بل وكثيراً ما تكون الفتاة هي السبب في فتنة الشباب، وجرّهم إلى مستنقع الرذيلة، وذلك عن طريق إظهار مفاتنها وإغرائها لهم، ثم بعد ذلك إذا هجروها وراحوا يبحثون عن امرأة أخرى جلست مطأطئة الرأس، تائهة الأفكار، يكاد رأسها ينفجر مما يدور فيه، ومن الذهول الذي يعتريه.

والحقيقة أنه من النادر أن يتزوج الرجل من المرأة التي ربطته بها العلاقة المحرمة، لأنه لا يراها أهلاً للثقة.

فلا تغتر الفتاة بتلك الكلمات المعسولة، والابتسامات الرقيقة من الشاب عند بداية تعرّفه عليها، فإنه كما قيل:

إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم

فإن هذه الابتسامات لا تلبث أن تتحول إلى وحشيّة، وتلك الكلمات لا تمضي إلا ويحلّ مكانها المواجهة بالحقيقة، التي طالما أخفاها الشاب عن تلك الفتاة، حتى يبلغ منها مبلغه، ثم يولِّي مدبراً عنها ولا يعقِّب، ولذلك ما أحسن أن ننقل الجواب على لسان من مَرَّ بهذه التجربة، لعل جوابه أن يكون شافياً، وأكثر صدقاً، وتؤخذ منه عبرة.

يقول (م.م.ع) :"نظراً لثقة عمي بي فقد طلب مني أن أساعد ابنته الطالبة الثانوي على استذكار دروسه، فرحّبت بذلك وخاصة أن ابنة عمي على قدر كبير من الجمال والأخلاق، ومشهود لها بالأدب على مستوى العائلة والحارة كلها، ومعروف عنها أنها فتاة جادّة، ولا يعجبها الحال المائل."

وكنت أجلس معها وحدنا في غرفة لأساعدها وأشرح لها دروسه، ومع الأيام بدأت لأتعوّد عليها حتى إنني كنت أشعر بالحزن إذا لم أستطع رؤيتها في أحد الأيام لظرف أو لآخر.

ومن ناحيتها اكتشفت أن ابنة عمي تبادلني نفس شعوري فكان لا بد أن نتصارح ونعترف بحبنا لبعض، وأعترف أنني بسبب اندفاع مشاعري كنت ألمس يدها وأقبلها أحياناً، ولا شيء أكثر من ذلك، ومع رغبتي بالزواج منها إلا أنه مع الأيام بدأت تساورني أفكار وظنون غريبة، وأسأل نفسي: كيف سمحت لي أن ألمس يدها وأن أقبّلها؟!

أعلم أنها فعلت كل ذلك لأنها تحبّني، وأعلم كم هي مهذبة وحازمة مع الآخرين، لكن لا أستطيع أن أهرب من السؤال المؤلم الذي يظل يضغط على عقلي، ويؤلمني طوال الوقت: طالما سمحت لي بذلك، إذن كان من الممكن أن تسمح به لشخص آخر"اهـ."

لو تأمّلت هذه الكلمات حقّ التأمّل لعلمت أن هذا الرّد وهذا الموقف الذي اتخذه هذا الشاب هو ذاته موقف أغلب الشباب الذين مرُّوا بهذه التجربة، وكما قالت إحدى الكاتبات، وهي تعالج نفس المشكلة، وترد على إحدى الضحايا:

"والرجل يا صديقتي في بلادنا يرفض أن يتزوج من امرأة قد عرفها أو عشقها، فهي بنظره: امرأة لكل الرجال، ولذلك لن تكون أماً لأولاده" [11] .

ولا يفوتني في معرض هذا الحديث أن أُنبِّه على مسألة مهمة انتشرت، وهي: أن كثيراً من الناس إذا عرضت له مشكلة أيًّا كان نوعها، فإنه يرسل لبعض الكاتبات اللاتي تصدّرن بعض الصفحات في الجرائد والمجلات، وقد اتخذن من مشاكل الناس مادّة لصفحاتهن، فيرسل لهن بعض النساء أو الرجال يطلبون منهن الاستشارة، وبعض هؤلاء الكاتبات ـ ومع لأسف ـ هن من أسباب وقوع البلاء والشر والفتنة، ولسْنَ أهلاً لأن يلتمس عندهن الحل، فتجد أن بعض الساذجات إذا وقعت في مأزق أرسلت للكاتبة الفلانية أو للكاتب الفلاني تطلب منه الحلّ والنصيحة.

وأكثر هؤلاء ـ ومع الأسف ـ لا يعرف شرعاً ولا عرفاً، وبالتالي يجيب وفق ما يراه مناسباً، وعلى حسب ما تعود عليه من طريقة الحياة، دون النظر إلى ما يوصِي به الشرع المطهر، بل وإن غالبية هؤلاء الكاتبات اللاتي جعلن أنفسهن حلاّلات للمشاكل هن من السافرات والمتبرجات، بل وبعضهن من النصارى اللاتي لا يرقَبْن في المسلمات إلاًّ ولا ذمة.

فالعجب أن يوثق بأمثال هؤلاء، وتُعطى لهم الأسرار، وتُلتمس منهم الحلول !!..

وأنا أحذّر أخواتي المسلمات من اللجوء إلى هؤلاء الكُتّاب، الذين التمسوا الشهرة من خلال مشاكل الناس، بل الواجب على المسلمة إذا عُرضت لها مشكلة أن تتصل بأهل الدين والعلم الموثوق بهم، والذين عُرفوا بالاستقامة وشهد لهم الناس بالخير، فهؤلاء هم الذين يدلّون للصواب، ويكتمون السِّر، وينصحون للناس، دون اشتراط معرفة صاحب المشكلة وعنوانه، وبعض التفاصيل الدقيقة في حياته، كما يفعل بعض الكتاب.

وبالرغم من أنه لا يحسّ بالمعاناة إلا صاحبها كما قيل..

لا تشكو للناس جُرحاً أنت صاحبه لا يعرف الجرح إلا من به أَلم

إلا أن أهل الدين والعلم هم أكثر الناس إحساساً بمعاناة إخوانهم وأخواتهم كما قال صلى الله عليه وسلم:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" [12] .

وعوداً على بدء، أقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت