فهرس الكتاب

الصفحة 8898 من 9994

إنك عرفت حين تركتني أن بين جنبيّ ناراً تضطرم، وجنيناً يضطرب، فلم تبال بذلك، وفررت مني، حتى لا تحمل نفسك مؤونة النظر إلى شقاء أنت صاحبه، ولا تكلف نفسك مسح دموع أنت مرسلها، فهل بعد ذلك أستطيع أن أتصور أنك رجل شريف؟!، لا.. بل لا أستطيع أن أتصور أنك إنسان، لأنك ما تركت خلة من الخلال المتفرقة في أوابد الوحش إلا جمعتها، وكل ما في الأمر أنك رأيتني السبيل إلى إرضاء نفسك فمررت بي في طريقك إليه، ولولا ذلك ما طرقت لي باباً ولا رأيت لي وجهاً.

خنتني.. إذ عاهدتني على الزواج، فأخلفت وعدك ذهاباً بنفسك أن تتزوج امرأة مجرمة ساقطة، وما هذه الجريمة ولا تلك السقطة إلا صنعة يدك وجريرة نفسك، ولولاك ما كنت مجرمة ولا ساقطة، فقد دافعتك جهدي حتى عييت بأمرك، فسقطت بين يديك سقوط الطفل الصغير بين يدي الجبار الكبير.

سرقت عفتي.. فأصبحت ذليلة النفس، حزينة القلب، أستثقل الحياة وأستبطئ الأجل، وأي لذة في العيش لامرأة لا تستطيع أن تكون زوجة لرجل ولا أماً لولد، بل لا تستطيع أن تعيش في مجتمع من المجتمعات البشرية، وإلا وهي خافضة رأسها مسبلة جفنها، واضعة خدها على كفها، ترتعد أوصالها، وتذوب أحشاؤها، خوفاً من عبث العابثين وتهكم المتهكمين.

سلبتني راحتي.. لأنني أصبحت مضطرة بعد تلك الحادثة إلى الفرار من ذلك القصر الذي كنت منعمة فيه بعشرة أمي وأبي، تاركة ورائي تلك النعمة الواسعة، وذلك العيش الرغد إلى منزل صغير، في حي مهجور لا يعرفه أحد ولا يطرق بابه، لأقضي فيه الصبابة الباقية لي من أيام حياتي.

قتلت أمي وأبي.. فقد علمت أنهما ماتا، وما أحسب موتهما إلا حزناً لفقدي ويأساً من لقائي..

قتلتني.. لأن ذلك العيش المر الذي شربته من كأسك، والهم الطويل الذي عالجته بسببك قد بلغا مبلغهما من جسمي ونفسي، فأصبحت في فراش الموت كالذبابة المحترقة تتلاشى نفساً في نفس.

فأنت كاذب خادع، ولص قاتل، ولا أحسب أن الله تاركك دون أن يأخذ لي بحقي منك.

ما كتبت إليك هذا الكتاب لأجدد عهداً، ولا أخطب إليك وداً فأنت أهون علي من ذلك.

إنني قد أصبحت على باب القبر وفي موقف وداع الحياة بأجمعها، خيرها وشرها، سعادتها وشقائها، فلا أمل لي في ود، ولا متسع لعهد، إني كتبت إليك لأن عندي لك وديعة، وهي تلك فتاتك، فإن كان الذي ذهب بالرحمة من قلبك، أبقى لك منها رحمة الأبوة، فأقبل إليها فخذها إليك، حتى لا يدركها من الشقاء ما أدرك أمها من قبلها..""اهـ.

حقاً إنها كلمات حزينة جداً، وزاد من تأثيرها أن عبر عنها صاحبها وكشف خبيئة وجدانه.. ولذا كان أصدق من أن يعبر عنها أحد بقلمه.

إن هذه القصة ومثيلاتها هي وليدة التفكك الذي نعيش فيه، فكان نتاجه أن أفرز تلك النوعية من المشكلات التي يحتاج حلها وقتا طويلا..

يهاجم الرجل المرأة ويعد لمهاجمتها ما شاء أن يعده من وعد كاذب وقول خالب وسحر جاذب، حتى إذا خدعها عن نفسه، وغلبها على أمرها، وسلبها أثمن ما تملك يدها، نفض يده منها، وفارقها فراقاً لا لقاء بينهما من بعده، هناك تجلس في كِسر بيتها جلسة الكئيب الحزين، مسبلةً دمعها على خدها، ملقيةً رأسها على كفها، لا تدري أين تذهب؟ ولا ماذا تصنع؟ ولا كيف تعيش؟.

تطلب العيش عن طريق الزواج فلا تجد من يتزوجها لأن الرجل يسميها (ساقطة) !!

أيها الفضلاء.. يجب إلا يُفتح قلب الفتاة لأحد من الناس قبل أن يُفتح لزوجها لتستطيع أن تعيش معه سعيدة هانئة لا تنغصها ذكرى الماضي، ولا تختلط في مخيلتها الصور والألوان، وقلما أن تبدأ الفتاة حياتها بغرام ثم تستطيع أن تتمتع بعد ذلك بحب شريف.

إن هذه الفتاة التي تحتقرونها وتزدرونها، وتعبثون ما شئتم بنفسها وضميرها، إنما هي في الغد أم أولادكم، وعماد منازلكم، ومستودع أعراضكم ومروءاتكم، فانظروا كيف شأنكم معها غداً، وكيف يكون مستقبل أولادكم وأنفسكم على يدها.

أين تجدون الزوجات الصالحات في مستقبل حياتكم إن أنتم أفسدتم الفتيات اليوم، وفي أي جو يعيش أولادكم ويستنشقون نسمات الحياة الطاهرة، إن أنتم لوثتم الأجواء جميعاً وملأتموها سموماً وأكداراً.

لا تزعمون بعد اليوم أنكم عاجزون عن العثور على زوجات صالحات شريفات، يحفظن لكم أعراضكم، ويحرسن لكم سعادتكم وسعادة منازلكم، فتلك جناية أنفسكم عليكم وثمرة ما غرست أيديكم، ولو أنكم حفظتم لهن ماضيهن لحفظن لكم حاضركم ومستقبلكم، ولكنكم أفسدتموهن، وقتلتم نفوسهن فقدتموهن عند حاجتكم إليهن.

قال:

"مزقيها.. كتبي الفارغة الجوفاء إنْ تستلميها.."

كاذباً كنت..

وحبي لك دعوى أدعيها..

إنني أكتب للهو

فلا تعتقدي ما جاء فيها..""

نساء لسْنَ للزواج..

"نحن نتحدث مع الفتيات، ونقيم العلاقات المشبوهة معهن، ولكن إذا أردنا الزواج لا نفكّر أدنى تفكير في هذه المرأة التي تسلقت جدران العفة، وتعرفت على شاب غريب عنها، ولم تراع عند ذلك حياءً ولا خجلاً.."

وقد تستغربون هذا القول مِنّا، ولكن نحن ننظر إلى علاقتنا مع الفتيات من منظار التسلية.. ولكن إذا أردنا الزواج فإننا ننظر من منظار آخر متّزن وأكثر جدِّيَّة..."."

هذا القول هو قول عامة الشباب المستهتر، وهم يتعرّفون على الفتيات، ويقيمون معهن العلاقات المحرّمة، ولكن لا يفكّرون بهن كزوجات.. ولا يرونهن أهلاً لذلك!!..

يقول (ح.م.ل) :"أنا لم أجبر أيا منهن على محادثتي وإقامة علاقة معي، وحقيقة أنا لا أسمح لأخواتي أن يفعلن مثلي، لأنهن لسن مثل هذه النوعية (الصائعة) التي أعرفها جيداً.. لأن هؤلاء المتحدثات مع الشباب على الهاتف من البنات الصائعات في الشوارع.. ولو كان لهن رجال لوقفوا سداً منيعاً دون انزلاقهن هذا المنزلق الخطير"اهـ.

وقال (س.د) ـ وهو شاب في الحادي والعشرين من عمره ـ:"كنت إلى فترة قريبة أكلّم الفتيات هاتفياً، ولكني الآن لا أفعل، ذلك لأن الشاب في تلك المرحلة المبكرة من عمره يمر بمرحلة يكون فيها غير ثابت نفسياً، وشخصيته تكون مهزوزة، ولذلك يتأثر بصديق له أو يقلده، وهذا ما حدث معي، حين اكتشفت في لحظة أن أصدقائي جميعاً يكلمون الفتيات، ولديهم صديقات، وعندما حاولت أن أقلّدهم انزلقت قدمي في هذا الطريق!!، وبصراحة أن البنات اللاتي يتحدثن مع الشباب في الهاتف على درجة ضئيلة من الأخلاق.. وعلى الرغم من أني كنت أرى هذا الأمر بالنسبة لي عاديًّا، إلا أنني لا أرضاه لأخواتي البنات، لأن هذا الطريق لا تسلكه إلا الساقطات من النساء"اهـ.

هذه النتيجة ليست مستغربة.. لأن المرأة التي تتعرف على رجل، وتحدثه بالهاتف وتخرج معه حيث أراد، هذه (صائعة) ، ليس في نظر أهل الدين والصلاح فقط، بل في نظر الشباب المعاكس أنفسهم..

ولو سألت كثيراً من هؤلاء الشباب لماذا لا تتزوجها؟، لسمعت الرّد الموحد منهم جميعاً:"ومن يضمن لي أنها لن تتعرّف على شخص آخر بعد زواجي منها؟".

وعلى أن الإنسان تسرّه هذه الحميّة عند الشباب، لكن للأسف أنهم فكروا بأنفسهم فقط، ولم يفكّروا بإخوانهم المسلمين، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"إنك إن اتبّعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت تفسدهم" [15] .

فنتمنى أن يكيلوا بمكيال واحد لا مكيالين.

ثم إن هناك نتيجة حتمية قد تغفل عنها هذه الفتاة المنحرفة، ولكن لا تلبث قليلاً حتى تكتشفها وتراها أمامها رأي العين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت